محنة المرتضى..

22/11/2018 - 13:16

التقيت المرتضى إعمراشن يوما قبل الحكم عليه ابتدائيا بخمس سنوات ظلما نافذة، حضرنا سويا محاكمة معتقلي حراك الريف بالدار البيضاء، وتناولنا وجبة الغذاء سويا رفقة المحامي الأستاذ خالد أمعيز، الذي وصفه يومها مازحا بالنبي الجديد، اشتكى لي من توالي جلسات محاكمته بسلا، حيث يضطر للقدوم كل مرة من الحسيمة، ساعتها كان متابعا في حالة سراح، تحدث لي عن فراغ الملف، وكان متيقنا بأنه سينال البراءة، كان متخوفا من محاكمة أخرى تنتظره بالحسيمة، وقال لي: « محاكمتي بسلا تدور تحت مراقبة الصحافة والجمعيات الحقوقية، لذلك أنا مطمئن لنهايتها السعيدة، فقط أتعبني هذا الذهاب والإياب بين الحسيمة وسلا، ولكن هناك في الحسيمة الأمور غير مطمئنة بخصوص المحاكمات ». في قاعة المحكمة تبادل التحايا مع ناصر الزفزافي، فيما يشبه مصالحة الكبار، وذرف دمعا حين لمح صديقه شاكر المخروط. رجوته أن يقضي الليلة معي، لكنه كان قد تواطأ مع الصديقين علي عمار وفاطمة الزهراء القادري صاحبي موقع « لوديسك » على المبيت عندهما.. هذا الذي سيُدان في الغد بتهمة التحريض على الإرهاب صديق لمدافعين عن الحريات الفردية والعلمانية..

في الغد، لم أصدق نبأ إدانته، اتصلت بالقادري، لم تكن قادرة على الكلام، أما الصحافي محمد أحداد، فلم أكن أتبين ولو حرفا مما يقوله، بسبب نوبة البكاء التي اجتاحته،، كانت صدمة.. ليس بسبب الحكم الظالم فقط، بل بسبب هذا السعار المخيف الذي اجتاح العقل الأمني لحظتها 
في اتجاه إحراق الأخضر واليابس..

بعد الإدانة ابتدائيا، انتظر كثيرون عفوا ملكيا على المرتضى يصحح هذا « المنكر ».. ولما لم يتحقق أملهم، راهنوا على المرحلة الاستئنافية لتنصف هذا الوديع المسالم، فجاء تثبيت الحكم الابتدائي استئنافيا، لكي يظهر لمن لايزال يراهن على استقلالية القضاء أن العبث بمصائر الأبرياء في حفلات تنكرية وصل لمدى لا يطاق.. بصريح العبارة: إنهم يصنعون مظالم تذهب هيبة الدولة، وتفقد الناس الثقة في المؤسسات، وتقود البلد للمجهول.

ظل المرتضى يثق بالقضاء حتى آخر لحظة، هاتف أصدقاءه ليلة النطق بالحكم ليلتقوه أمام بوابة السجن. ظل يثق في عقل الدولة، حتى وهي تمعن في ظلمه، كان يعتقد أنها فقط، حادثة سير عابرة، وغفل على أن بعض حوادث السير تكون قاتلة.

حين كان واحدا من الوجوه المتفردة في حراك الريف، جنح للتهدئة ولو بدون ضمانات، سبح ضد التيار الغالب في الحراك، فناله كثير من سوء الفهم، وغير قليل من التخوين.. جزء من الحراكيين اعتبروه « عيّاشا »، والسلطوية الجديدة لم ترتح له، كان يربك الصورة التي كانت تريد ترسيخها عند المغاربة بخصوص احتجاجات الريف، كان القرار، ربما، قد استقر على توقيف الاحتجاجات بالقوة والعنف، فكان لا بد من تحييد وجه مثل المرتضى، تفرد بمواقف خاصة 
في توقيت لم يكن في صالحه.

وبعد إدانته ابتدائيا واستئنافيا، اعتذر له شرفاء هاجموه حين كان حرا، ولكن البعض « انتهز » الحكم لكي يجعله دليلا على مشروعية مطلب « استقلال » الريف، مادامت الدولة المغربية لم « ترحم » حتى المرتضى الذي كان « يطبل » لها بزعمهم.. السلطوية بدورها وظفت الحكم للإيهام أن المرتضى كان يمارس التقية، وأن ليس في القنافذ أملس.. هذا الالتقاء الموضوعي بين « الجمهوريين » و »السلطويين » يطرح علامات استفهام؟؟؟

السلطوية لم تثق في مراجعات المرتضى، كما لم تثق في مراجعات بنكيران.. ولا أظنها واثقة من مراجعات باقي الراديكاليين، كانوا في اليمين أم في اليسار، هي تثق في أبناء الدار، أما المارقون القدامى فهم مشتبه بهم أبدا، وعليهم أن يقدموا دليل ولائهم انبطاحا.. السلطوية تعتبر أن الوطن يجب أن يتحول إلى بيت طاعة كبير. ذنب المرتضى أن مراجعاته كانت باتجاه المصالحة مع المجتمع المتعدد بطبعه أولا، وكان يأمل في مصالحة مع الدولة على أساس الأمن والعدل.. لم يسع لحزب يؤمن له مظلة سياسية، ولا لمؤسسة من مؤسسات الدولة تؤمن له ريع المراجعة. ثاومات المرتضى نغ: ابق على جذوة الأمل متقدة، الأمل الذي سميت بها طفلتك التي ولدت وأنت وراء القضبان.. أيوز.

 

شارك المقال