أسئلة ما بعد TGV؟

23/11/2018 - 14:19

سنكون مجانبين للحقيقة إن لم نعلن عن استبشارنا بهذا الإنجاز الكبير الذي سيغير من صورة المغرب، ويضيف إليها بعدا جديدا في مسار الإنجازات التنموية واللوجستية التي تحققت في العقود الماضية.  لكن، هذا الاحتفاء لا يمنع من طرح بعض الأسئلة التي ترتبط بالمستقبل. فأسئلة ما قبل TGV، كسؤال الجدوى منه، وسؤال الكلفة، وأثرها على إمكانات البلاد المالية، صارت جزءا من الماضي، ولا بد من التعامل مع الواقع كما هو. نحتاج – في ظل قصف إعلامي احتفائي شديد- إلى بعض التدقيق لتقييم أثر هذا المشروع على الاقتصاد، وأيضا الإشكالات التي سيطرحها، لأن مثل هذا التوصيف، هو الذي يُعِينُنا على تصور شروط تأمين نجاعة المضي في هذا التحديث ذي الجرعة القوية والمكلفة. لست مختصا في لغة الأرقام، لكن، النظر في المعطيات المقدمة، قد يساعد على صياغة بعض الأسئلة الضرورية، فهذا الإنجاز الضخم، بالإضافة إلى قيمته النوعية في نقل المسافرين، سيتيح الإمكانية لتحرير حركة البضائع والرفع من وتيرتها، بحكم أن الفترة الليلية كانت الفترة الوحيدة المخصصة لذلك، بتناوب مع عملية الصيانة.

في ظل هذا المتغير الإيجابي الجديد، سنكون أمام حالتين:

حالة بقاء الوضع كما هو عليه من حيث وضعية الاستثمار، وحركية البضائع، ومعادلة الإنتاج في علاقاته مع الأسواق الخارجية، وضمنها لا يمكن أن نتصور أكثر من عملية التسريع وربح الوقت، وربما الكلفة من غيرة طفرة اقتصادية واعدة. الحالة الثانية، وهي حالة حدوث طفرة في الاستثمار وحركية للإنتاج والتسويق في اتجاه إفريقيا وأوروبا وبقية الشركاء، وضمنها يمكن أن نتصور أثرا جد إيجابي على مستوى تقوية الاقتصاد الوطني، وأيضا معالجة بعض اختلالات الميزان التجاري، فضلا عن توفير شروط بناء اقتصاد تنافسي قوي، وتشجيع للمنتج الوطني وتثمينه، وما يترتب عن ذلك من انعكاسات على مستوى ارتفاع نسبة النمو والتشغيل.

سؤال البيضة والدجاجة سيفرض نفسه هنا، فالجدل غير وارد بخصوص تلازم حركية الاقتصاد مع توفير البنيات الأساسية وتقويتها، لكن المقاربات مختلفة حول أيهما أسبق، وأيهما له الحسم، فليست العلاقة حتمية بين تقوية البنيات وتحقيق الطفرات الاقتصادية، لكن تأمين استمرار حركية الإنتاج، تقتضي ضرورة تقوية البنيات.

في المغرب، وكما تؤشر على ذلك تقلبات وضعه الاقتصادي، ليس هناك خيارات كثيرة لتحقيق الطفرة، فاستجلاب الاستثمار وضمان تدفقه يقتضي عودة السياسة، وتقوية عناصر الاستقرار السياسي، وضمان سلم اجتماعي صلب، فالمستثمر يبحث عن بيئة آمنة للاستثمار في مؤشرات تقارير المؤسسات المالية والائتمانية، التي للأسف تتسم وضعية المغرب فيها بالتردد والتراوح بين التقدم والتراجع.

خارج شرط عودة السياسة وتقوية عناصر الاستقرار السياسي، وضمان سلم اجتماعي صلب، سيواجه المغرب تحدي البحث عن فضاء آخر يتنفس فيه من غير الفضاء الأوروبي، أي إعادة طرح موضوع الاتحاد المغاربي والعمق الإفريقي من جديد، وهما معا محكومان بمنطق السياسة والدبلوماسية، إذ يرتهنان بدرجات متفاوتة بالعلاقة مع الجزائر، التي يسعى المغرب إلى طي صفحة الخلاف معها.

لقد أثبتت الوقائع أن استراتيجية التوغل في العمق الإفريقي، ولعب دور المنصة الاستراتيجية لعبور السلع إليها، يعيقها أو يشوش عليها أو يبطئ من مفعولها توتر العلاقة بين المغرب والجزائر، كما أثبتت الوقائع أيضا محدودية الرهان على الاستقطاب القوي للاستثمارات وضمان ديمومتها من غير عودة للسياسة. بكلمة، إذا كانت أسئلة ما قبل TGV قد تُجوِّوزت، فإن أسئلة ما بعده، وبالضبط أسئلة ضمان فعاليته ونجاح الاستراتيجية المراهنة عليه، تتطلب مواجهة سؤال عودة السياسة بكل مقتضياتها الدستورية والسياسية، ثم التفكير بجدية في علاقات قوية مع الجزائر.

 

شارك المقال