بنكيران؛ القناص إنه يحاكم الحكومة

23/11/2018 - 14:22

مصطفى السحيمي

ها نحن إذن، أمام أحد الغائبين – عبدالإلــــه بنكيران- بل إنه غائب كبير، مستمر في تذكير الجميع بنفسه من وقت لآخر، بما يتيح له… تسجيل حضوره. حضور مخيف، بل إنه مفزع في بعض الأحيان، ومزعج؛ بما يضايق أصحابه في الحزب؛ بل وكذلك خارج الحزب. في يوم 17 نونبر 2018؛ استقبل في مسكنه أعضاء المكتب الوطني للفدرالية المغربية للفلاحة؛ المنضوية تحت لواء المركزية النقابية « الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب »؛ القريبة من حزبه « العدالة والتنمية ». كان لقاء شكليا تماما؛ أي هو بمثابة اللاحدث؟ أبدا؛ ليس الأمر، كذلك، على الإطلاق؛ فقد راج عبر شبكات التواصل الاجتماعي شريط أعاد إلى الأذهان ذلك السؤال الذي يشغل بال الجميع منذ سنة ونصف السنة: ما الذي يريده رئيس الحكومة السابق؟ وما الذي يمكن فعله تجاهه بما أنه لازال مستمرا في احتلال مكانة متميزة في الحياة السياسية الوطنية؟

فكما لو أنه يوفر لنفسه الحماية ويقدم من جديد عربون الوفاء والولاء للملك؛ بدأ بِدَقِّ ناقوس الإنذار حول الـ »خطر » المتعلق بما يوجهه له المواطنون عبر الشبكات الاجتماعية. هل بنكيران في هذا يبين المنهج القويم لحسن السلوك؛ أو أنه حتى يقوم بدور الرقيب؟ إن نوعا من التواصل قد أصبح بالفعل قائما بين مستعملي الإنترنيت وبين المشور، إرسال رقمي قد أخذ مكانه متجاوزا مؤسسة الوسيط، والمحاكم الإدارية، وغيرها من السلطات، والمنتخبين والوسطاء الآخرين. إنه تواصل يتسبب في انزلاقات غير مقبولة يشجعها تخفي المتدخلين من خلال الشبكات الاجتماعية وراء أسماء مستعارة. ويتابع بنكيران كلامه مذكرا بالدور الذي قام به إبان حَراك 20 فبراير 2011 في اتجاه التهدئة، والاستقرار، وعدم مشاركة حزب العدالة والتنمية في ذلك الاحتجاج. إنها طريقة للقول بأن النظام مدين له بشكل ما… ويضيف، كذلك، بكونه كان وراء حذف صبغة القداسة عن شخص الملك في دستور يوليوز 2011؛ لأن هذه الصبغة غريبة عن « موروثنا الإسلامي ». ثم يواصل في ميادين أخرى؛ ميدان نقد إدريس جطو، الوزير الأول السابق؛ ما بين 2002 و2007. عن الغياب الحذر للدقة لديه فيما يخص الدَّين وإصلاح أنظمة التقاعد، وميدان شجب رئيس التجمع الوطني للأحرار، والوزير منذ 2008؛ عزيز أخنوش؛ الذي ينصحه بترك السياسة والاهتمام بأعماله… بأي حق يصدر « فتوى » كهذه؛ التي تمنح أو ترفض شهادة الشرعية لهذا أوذاك؟ هذا لا يطمئن كل أولئك الذين ظلوا لسنوات قلقين ومتخوفين من النزعة الهيمنية لدى حزب العدالة والتنمية بصيغة بنكيران. ويهاجم، أيضا، الحكومة التي يرأسها سعد الدين العثماني؛ الذي يرأس، كذلك، حزب العدالة والتنمية؛ إنه يتبنى؛ سواء عن انتهازية أو عن اقتناع التقييم الذي أصدره الملك نفسه في هذا الاتجاه ذاته؛ فهو ينتقد جمود هذه الحكومة، وبدون شك بعض أعضاء حزبه المنهمكين في تدبير « وضعه » الحالي إلى حين انتخابات 2021. فهو يلغي هذه المقاربة ويطرح « مخططا بديلا » عن أي فشل في الاقتراع المقبل؛ وهو خيار لن يكون قاتلا. وفي الأخير هو يحيل على سِجِلٍّ آخر؛ سجل عاطفي هذه المرة؛ عن طريق محاكمة الحكومة على بعض الأحداث؛ مثل موت الراعي حميد باعلي في جبل بويبلان؛ بعدما حاصرته الثلوج طيلة ستة أيام. إن عبدالإلـــه بنكيران؛ كما هو حاله دائما يعيد تنشيط الطاقات العميقة لشخصيته؛ إنه لن يصمت أبدا. يتموضع كمحتج ومطالب وطني على جميع الأصعدة. ويرى أن الظرفية الحالية وتعثر حكومة العثماني، المتورطة في أزمات متتالية؛ تمنحانه نافذة ليطلق منها النار؛ تماما مثل قناص. وهو يعلم ويُقدِّر بلا شك؛ أنه يتمتع بقدرات شخصية خاصة مقارنة بجميع المسؤولين؛ سواء في حزبه أو خارج حزبه: شعبيته، كارزمته، حسه التواصلي، والتزامه الأقل وصوليا، ولقد كان حاسما بحدة مع بعض وجوه حزبه لدرجة أنه وصفهم بـ »البلطجة ». باختصار؛ إننا أمام رأسمال لامادي؛ فمع أنه ليس له أي وضع مؤسسي، ولا حتى وضع برلماني؛ بعد استقالته الصاخبة من منصبه كعضو في مجلس النواب منذ اليوم الموالي لاقتراع أكتوبر 2016. فإنه حتما سيكون حاضرا من أجل رزنامة 2021، ويجب الاعتماد عليه لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في حزب العدالة والتنمية؛ بما أن الاعتماد على العثماني قد يكون من الممكن اعتباره مغامرة خاسرة.

عن « ماروك إيبدو »؛ عدد 15 نونبر 2018

شارك المقال