مر على استقلال المغرب 62 عاما، ولايزال سؤال: إلى أين يسير المغرب؟ مطروحا ليس فقط من لدن المثقفين والسياسيين، بل أصبح مطروحا بحدة حتى وسط المواطنين. الزملاء في موقع «العمق» اختاروا طرح هذا السؤال في ندوة نهاية الأسبوع الماضي، شاركت فيها أربع شخصيات من مشارب مختلفة؛ مصطفى الرميد وزير الدولة، وامحمد الخليفة، القيادي السابق بحزب الاستقلال، وعبد اللطيف وهبي، من الأصالة والمعاصرة، وكريم التازي، رجل الأعمال وعضو الحزب الاشتراكي الموحد. لا أحد من المشاركين ينفي التطور الذي حققه المغرب في ما يخص البنيات التحتية، خاصة خلال الـ19 سنة الأخيرة، سواء تعلق الأمر بالطرق والموانئ، والتزود بالكهرباء والتيجيفي والأقمار الاصطناعية، لكن الجميع يقر بأنه جرى إهمال الاهتمام بالعنصر البشري، أي بالجانب اللامادي في التنمية، سواء من حيث التعليم أو الصحة أو الخدمات، كما أهمِل الشباب الذي أصبح يفكر أكثر في الهجرة عبر قوارب الموت في ظل انسداد آفاق المستقبل أمامه. أرقام المندوبية السامية للتخطيط تشير إلى أن 11.7 مليون شاب مغربي، تتراوح أعمارهم ما بين 15 و34 سنة، يوجدون في حالة تهميش، وأن 270 ألفا منهم يغادرون المدرسة سنويا، وأن نسبة البطالة في صفوفهم تفوق المعدل الوطني لتصل إلى 20 في المائة.
وفي المجال السياسي، مازال سؤال الديمقراطية يراوح مكانه. أغلبية الأحزاب أًصبحت فاقدة لاستقلالها، وسؤال التأويل الديمقراطي للدستور مطروح بحدة، كما لم تُفعَّل المؤسسات التي أوكل إليها الدستور محاربة الفساد ومحاربة الريع. الرميد أقر بأنه وقع تأخر في إخراج مجلس المنافسة، في حين اعتبر كريم التازي أن هذا التأخير كان مقصودا، وهناك من أثار مشكل حرية الصحافة واحترام حقوق الإنسان، ومحاكمات الريف وجرادة وغيرها.
كل متدخل عبر بطريقته الخاصة عن حالة القلق التي يعيشها المغرب اليوم؛ كريم التازي تحدث عن «أزمة ثقة»، والخليفة عن «أزمة الأحزاب والمؤسسات»، والرميد قال إن المشكل الأساسي «اجتماعي»، وإن المغرب يعيش تحولا كبيرا لكن «ببطء ويعاني أعطابا»، ووهبي قال إن الديمقراطية تراوح مكانها، وإنها تهاجر عبر قوارب الموت.
ما هو الحل، إذن، للخروج من هذا المأزق؟ الخليفة طرح الحاجة إلى إصلاح سياسي ودستوري، والرميد رد بأنه لا حاجة إلى تعديل الدستور اليوم، وأن السمة العامة في المغرب هي أنه يتجه وجهة صحيحة، وأن الأفق يجب أن يكون هو الملكية البرلمانية. أما كريم التازي فيرى أن النموذج المغربي «فاشل»، ويطرح مثالين لنموذجين ناجحين.
الأول، النموذج الصيني، بسكانه الذين يصلون إلى مليار و400 مليون. وهو نموذج سلطوي غير ديمقراطي، لكنه يحقق ما بين 7 و9 في المائة من النمو، ويتبنى النجاعة والفعالية، وفي ظله يرتقي سنويا ما بين 50 و60 مليون شخص إلى الطبقة الوسطى. والثاني النموذج الهندي، بتعداد سكاني يقارب الصين، بـ1 مليار و350 مليون نسمة، وهو نموذج ديمقراطي، ويحقق ما بين 6 و7 في المائة من النمو، أي ليس أفضل من الصين من حيث النمو. يقول التازي إن المغرب اختار اقتصاد السوق، ولكن غياب دولة القانون أدى إلى فقدان الثقة، ويرى أن الحل هو تفعيل دولة القانون والمؤسسات، ومحاربة الريع والفساد والرشوة، وضمان تكافؤ الفرص. ويبدو أنه في محيط إقليمي مضطرب وتحديات اجتماعية كبيرة، فإنه لا خيار أمام البلاد سوى تعزيز دولة القانون والمؤسسات واحترام حقوق الإنسان، وإلا فإن الآتي أسوأ.