كلمات ليست كالكلمات!

27/11/2018 - 14:00

 

أيام كانت الدراسة دراسة، كان أستاذ الفرنسية يحب تلاميذه كما يحب الأدب، لذلك كان يشجعنا على القراءة، ولأن الإعدادية بلا مكتبة، فقد كان يجلب الروايات والدواوين الشعرية من خزانته الشخصية، ويوزعها علينا كي نقرأها بالتناوب، بفضله تآلفنا مع لغة موليير وتعرفنا على « كامو » و »سارتر » و »هيغو » و »بودلير » و »رامبو » و »كاتب ياسين » و »الطاهر بن جلون »… كان مستوانا في الفرنسية متدهورا، كسائر تلاميذ التعليم العمومي في بداية التسعينيات، ومع ذلك تقاتلنا مع « الذباب » و »الطاعون » و »البؤساء » و »أزهار الشر » و »فصل في الجحيم » و »نجمة » و »موحا الأحمق موحا الحكيم »، حتى أنهيناها، رغم أننا لم نفهم شيئا. حين اقترح علينا الأستاذ كتبه أول مرة، رفض البعض أن يحملها معه للبيت، بحجة أن لا فائدة من قراءتها لأنه لا يفهم في الفرنسية أكثر من Mina jolie Mina، ولا يريد أن يكون « مثل الحمار يحمل أسفارًا ». صدق الله العظيم. أذكر أن الأستاذ كان حكيما، وشرح لنا، بكثير من التحفيز، أن الكلمات مثل الوجوه، عندما تراها أول مرة لا تعني لك أي شيء، وعندما تراها للمرة الثانية تكاد تتذكر أنك رأيتها من ذي قبل، في المرة الثالثة تستحضر أين رأيتها، في الرابعة تتعرف عليها… وفجأة تكتشف أنها أصبحت أليفة عندك. تصور شخصا تلتقيه اليوم في المقهى، وتصادفه غدا في الحمام، وفيما بعد تلتقيه عند الحلاق، وفي « السوبر مارشي »، وجنب البيت، ستنتهي بأن تلقي عليه التحية وتتبادل معه الحديث. الكلمات، أيضا، مثل الأشخاص، كلما التقيناهم تزداد معرفتنا بهم، لذلك لا ينبغي أن يكون ضيق المعجم عائقا أمام القراءة. الوجوه نصادفها في الحياة والكلمات في الكتب، ومن المهم أن نقرأ ونقرأ ونقرأ، الفهم يأتي فيما بعد.

الكلمات، مهما كانت بسيطة، تحمل بين أحرفها الثقافة والحضارة والتاريخ، وتكشف أحيانا عن تفاصيل مدهشة. مفردة واحدة يمكن أن نكتب عنها مجلدا كاملا. تصور كم استخدمت من مرة، ومن طرف كم شخص، وكم امتد استعمالها من الحقب، كيف نشأت ومم اشتقت، وماذا كانت تعني، وكيف 
تحولت على مر العصور…

مؤخراً، وأنا أتابع الاحتفالات المئوية لنهاية الحرب العالمية الأولى، استرعت انتباهي كلمة Poilu، التي تطلق على من شاركوا في هذه الحرب المدمرة التي خلفت حوالي عشرين مليون قتيل. وجدت من يربط التسمية بالشجاعة والإقدام، الذي أبان عنه المقاتلون في الخنادق، ويستشهد بتعابير فرنسية قديمة تستعمل فيها كلمة Poil (زغب) للدلالة على الشجاعة، لكن التفسير الأكثر رواجا يربط التسمية بالزغب الذي كان منتشرا على وجوه المقاتلين، الذين لم يكن عندهم وقت كي « يحاربوه ». عندما تراهم في الخنادق، تتراءى لك كتلة من الشعر، لذلك أطلقوا عليهم Les poilus. انتبهت أن هناك كلمة في الدارجة المغربية مطابقة تماما لهذا المعنى: « الزغبي » أو « المزغوب »، وتعني من مرت عليه الأهوال والمآسي وعاش ما لا يمكن تحمله، أعتقد أنها الترجمة المغربية الدقيقة لكلمة Poilu، التي لم أعثر على مقابل لها بالعربية الفصحى، وأغلب الظن أنها نحتت في بدايات القرن الماضي، بعد عودة أولئك « الزغبيين » أو « المزاغيب » المغاربة، الذين رأوْا الأهوال في خنادق الحرب الكبرى، ضمن صفوف الحلفاء!
الكلمات تحمل تاريخا مكثفا ببن أحرفها. يمكن أن نكتب « سيرة ذاتية » لكل واحدة. كثير من المفردات  تسافر من لغة إلى أخرى وتستقر فيها وتتبختر. تتصرف كأنها مفردة أصلية. تماما، مثل المهاجرين الذين يذهبون إلى بلد آخر، وبعد تعاقب أجيال، يعتبرون أنفسهم من السكان الأصليين، ويتصرفون بعنصرية مع الوافدين الجدد. اليمين المتطرف موجود في اللغة أيضا!

العربية، أيّام مجدها، رفدت اللغات الأوروبية بآلاف الكلمات. هناك كِتابٌ ممتع في هذا الباب، من تأليف « جان پروڤو » تحت عنوان: « أجدادنا العرب »*. الكاتب الفرنسي المتخصص في المعاجم اختار عنوانا مستفزا نكاية في المقررات الدراسية التي تتغنى بـ »أجدادنا الغاليين ». في كتاب « پريڤو »، نكتشف أن الفرنسية اقتبست من العربية أكثر مما أخذت من الإسبانية، بل إن لغة الضاد تأتي في المرتبة الثالثة بعد الإيطالية والإنجليزية من حيث عدد المفردات التي أعارتها للمعجم الفرنسي. القهوة بمفردتيها: Caoua وCafé مشتقتان من العربية، وJupe مشتقة من « الجبة »، التي انتقلت في الأول إلى الإيطالية Jupa قبل أن تتحول إلى Jupe بالفرنسية، وكلمة Orange مشتقة من « النارنج »، وPastèque من « بطيخ »، الذي عبر إلى الفرنسية من البرتغالية Pateca، وSucre من « سكر »، وMagasin مقتبسة من « مخزن »، وNuque تحريف لنخاع، وRame مشتقة من رزمة، وRécif من « رصيف »، وCalife من « خليفة » وPacha من « باشا »، وAmiral من « أمير البحر »، وHasard مشتق من « الزهر »، حتى أزهار الـ Lilas والـ Nénuphar التي توضع روائحها في القصائد والحدائق الفرنسية أصلها عربي: ‘الليلك » و »النيلوفر »… وهلم زهرا!.

 

شارك المقال