الوردي سفَّه أساتذته وتفَّه زملاءه

28/11/2018 - 12:29

سليمان الريسوني / عبد الصمد الإدريسي

بعض أشكال انتقاد الشعبوية في المغرب، أكثر شعبوية، بل وتسقط في عمى الخلط بين الشعبوية (Le populisme) والشعبية (le populaire)، عندما تعتبر تطلعات المغاربة إلى الديمقراطية والعدالة.. مجرد دغدغة لأحلامهم وشعارات فضفاضة. هذا بالتمام ما حدث لصديقنا حكيم الوردي، نائب الوكيل العام لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء، المكلف بملف حراك الريف، في مقال عممه على أكثر من وسيلة إعلام، تحت عنوان: «فوبيا استقلالية النيابة العامة تستبدُّ بيتامى التبعية»، حاول خلاله الرد على بعض الأفكار المعبر عنها في ندوة سياسية نظمت نهاية الأسبوع الماضي بمدينة سلا، وشارك فيها كل من مولاي إسماعيل العلوي ومولاي امحمد الخليفة وعبد الصمد الإدريسي وسليمان الريسوني، خصوصا ما جرى تناوله خلال الندوة حول «استقلال» النيابة العامة.

السيد الوردي، وكما يقول المثل المغربي، «بالفرحة هرّس الرحى». فمن فرط نشوته بالدفاع عن الوضع الحالي للنيابة العامة، داس على كل ما راكمه زملاؤه وأساتذته السابقون في القضاء الواقف، وسفّه تاريخ النيابة العامة قبل أكتوبر 2017، مختزلا إياه في كونه «ماضي التحكم في النيابة العامة من قصر المامونية». وهذا التسفيه، بقدر ما يشكل اتهاما خطيرا، فإنه يفتح الباب أمام تناسل هواجس من قبيل: عن أي قصر، غير قصر العدالة، أصبحت تتلقى النيابة العامة أوامرها الآن، إذا كانت بالأمس القريب تتلقاها من «قصر المامونية»؟

لنأخذ ما ورد في هذا المقال، الحابل بالمغالطات، على أنه صادر عن الأستاذ حكيم الوردي بصفة شخصية، دون اعتبار لصفته والمهمة التي يشغلها، ودون عناء تفــكير في ما يمكن أن يـــكون للمقال مـــن دلالات سياسية، ولصــفة كاتـــبه والجهـــاز الذي يتبع له…

لقد حاول المقال الاحتيال على القارئ لإيقاعه في الغلط، وإيهامه بوجود تقابل بين وجهتي نظر حول وضعية جهاز النيابة العامة؛ واحدة تعتبرها مستقلة والأخرى تراها تابعة، معتبرا أن الوضعية التي كانت فيها النيابة العامة قبل إقرار القانونين التنظيمين المتعلقين بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية والنظام الأساسي للقضاة، هي وضعية التبعية للسلطة التنفيذية، وأنها بعد ذلك أصبحت سلطة مستقلة، متناسيا ما أقره الدستور من كون النيابة العامة، في أصلها، جهازا تابعــا وليـــست جهــازا مستقلا.

لقد نص الفصل 110 من الدستور، في فقرته الثانية، بمناسبة الحديث عن قضاة النيابة العامة، صراحة، على أنه «يتعين عليهم الالتزام بالتعليمات الكتابية القانونية الصادرة عن السلطة التي يتبعون لها». وقد ميز هذا الفصل بين قضاة الأحكام باعتبارهم غير تابعين لأي سلطة، ويمارسون مهامهم بكامل الاستقلالية ولا يلزمون إلا بتطبيق القانون، وبين قضاة النيابة العامة الذين يتلقون التعليمات ويتعين عليهم الالتزام بها.

وبالرغم من كل هذا الوضوح القانوني، فإننا مافتئنا نجد من يحاول تغيير هذه الحقيقة، مستعينا بمساحيق بلاغية ومهارات لغوية، ليوهمنا باستقلالية جهاز النيابة العامة، التي كانت ولاتزال جهازا تابعا. فقضاة النيابة العامة هم قضاة تابعون لسلطة رئاسية يتلقون منها التعليمات، وهم ملزمون بتطبيقها، وبالتالي، فإن السؤال الذي كان مطروحا هو: لأي سلطة ستكون النيابة العامة تابعة، هل لسلطة وزير العدل الذي كان ينوب عن الملك في رئاسة المجلس الأعلى للقضاء، أم لسلطة الوكيل العام لدى محكمة النقض، ولم يكن التقابل أبدا بين استقلالية وتبعية، بل بين تبعــية للوزيـــر وتبعــية للوكيل العام.

الأستاذ الوردي، في المقال المذكور، ذهب بعيدا في الهجوم على مخالفيه في الرأي، عندما اعتبر أن من كانوا ضد تبعية النيابة العامة للوكيل العام لدى محكمة النقض، لحقتهم خسارات جسيمة بعد انقطاع الحبل السري مع قضاة الدعوى العمومية، مضيفا أن الذين يحنون إلى عهد رجل السياسة على رأس النيابة لا يقولون لنا ماذا أضافت التجربة منذ الاستقلال إلى غاية أكتوبر 2017 في ما يتعلق بتكريس ثقافة استقلالية القضاء، ومساواة جميع المغاربة أمام إجراءاته، بصرف النظر عن القرابة السياسية أو العائلية، وأن لهم خلفية مصلحية ضيقة تتحسر على ماضــي التحكــم في النيابـــة العامــة من قصــر المامونية.

ولعل الأستاذ الوردي، باعتبار عمله سلطة اتهام، طغى عليه منطق الاتهام، وذهب يكيل الاتهامات لماضي النيابة العامة ولكل معارض لتبعيتها للوكيل العام، ذلك أن ما سبق يحمل اتهامات خطيرة من رجل مسؤول في جهاز النيابة العامة لتاريخ ورجالات هذا الجهاز، ولممارسات وزراء العدل السابقين منذ الاستقلال إلى اليوم، معتبرا أن هناك مستفيدين من تبعية النيابة العامة للوزير لحقتهم خسارات بعدما أصبحت تابعة للوكيل العام، بما يفيد بأنهم كانوا مستفيدين من الوضعية الماضية، متناسيا أن وزارة العدل، طيلة عقود من الزمن، كانت واحدة من وزارات السيادة التي لم يكن تقلدها مسموحا للوزراء السياسيين، وأنه حتى مع حكومة التناوب وبعدها، جرى انتقاء وزراء يجمعون بين اللون السياسي ولون القرب من جهات داخل الدولة، والأمثلة كثيرة عن هذا النوع من الوزراء الذين أسهمــوا فــي طمس قضايا حقوقيــة تاريخية لم تتوقف أحزابهم عن المطالبة بكشف حقيقتها.

بل إن الأستاذ الوردي اعتبر كل من يعارض تبعية النيابة العامة للوكيل العام إنما يفعل ذلك بخلفية مصلحية، فهل كانت النيابة العامة، في عهد وزراء العدل السابقين، تفصل سياستها الجنائية على مقاس القرابات السياسية والعائلية؟ إلى أن يثبت لنا السيد الوردي ذلك، يبقى ما جاء على لسانه مجرد مزايدات شعبوية معيبة وخطير صدورها عن شخص في موقعه.

إن النقاش الذي واكب ولايزال «استقلالية» النيابة العامة، كان منصبا على أي من الاختيارات مفيد للبلاد والعدل بين العباد، وأي الاختيارات أكثر انضباطا لمعيار ربط المسؤولية بالمحاسبة، ولم يكن أبدا نقاشا مشخصنا، كما اختزله وبخّسه السيد الوردي، وأراد إيهامنا بأنه كان كذلك.

من جانب آخر، فإن كل ما جاء على لسان السيد الوردي من كلام مخالف لمقتضيات المسطرة الجنائية، التي كانت تعطي لقضاة النيابة العامة في الوضعية الماضية كامل الصلاحية لتكييف الوقائع وتسطير المتابعات، ولا تتيح لوزير العدل التدخل إلا في بعض القرارات السلبية المتخذة، حيث تتيح له مقتضيات المادة 51 من قانون المسطرة الجنائية تبليغ الوكيل العام ما يصل إليه من مخالفات للقانون ومكاتبته لمتابعة مرتكبيها، بمعنى أن القانون لم يكن في يوم من الأيام يتيح للوزير التدخل لعدم متابعة شخص ما.

بقي موضوع آخر يتعلق بمحاسبة النيابة العامة، وتقييم السياسة الجنائية والجهة الموكل إليها ذلك، إذ مافتئ الأستاذ الوردي ورؤساؤه يؤكدون أن الذي يحاسب النيابة العامة هو الملك باعتباره سلطة تعيين، وهذا موضوع لا يتسع المجال هنا للتفصيل فيه، ويستحق مقالا آخر قد نعود إليه في وقت لاحق.

ختاما، من يعرف السيد الوردي، يؤكد أنه شاب نبيه ومثابر، لكنه يمشي بسرعتين؛ واحدة مهنية وأخرى سياسية، وغالبا ما تسبق الثانية الأولى وتشوش عليها، وهذا ما حدث له في هذا المقال. لقد سفَّهَ السيد الوردي أساتذته الأولين عندما اعتبر أنهم كان متحكما فيهم من «قصر المامونية»، وتفّه زملاءه الحقوقيين عندما اعتبرهم يتامى تبعية لم ولن ينجح في التخلص منها، واستراح.

شارك المقال