بنشماس يفهم في الكيمياء!

29 نوفمبر 2018 - 21:50

في درس الكيمياء الفيزيائية، نتعلم أن الجمع بين محلولين متناقضين من حيث طبيعتهما وتركيبتهما، من شأنه أن يدفع، حسب كمية كل محلول أو حجمه الفيزيائي، محلولا معينا إلى الذوبان، في النهاية، أو إلى التبخر.

إذا ما حاولت أن تخلط المحاليل الخاطئة بعضها ببعض، فإن ذلك غالبا قد يؤدي إلى الانفجار. سيحترق كل شيء؛ القوارير المختبــرية، وربمـــا المختبر بأسره.

في السياسة أجبرونا على الاقتناع بأن الجمع بين المحاليل -وإن كان بالكيفية الخاطئة- إنما يقود دائما إلى اكتشاف أمر عظيم. إننا نعرف أيضا أن أفضل ما جرى ابتكاره من تركيب مثل هذه المحاليل، دون أي مــــراعاة للأخـــلاق، هو القنابل.

أول الدهاة السياسيين الذين أرغمونا على تصديق أن العمليات الكيميائية يمكنها أن تطبق على السياسة، هم المنظرون الخيميائيون لمشروع «الأصالة والمعاصرة»؛ بدأ الأمر مثل فكرة دينية تحظى بتقديس كبير، فيما هم، في الواقع، كانوا قد نجحوا في صنع قنبلة ثم ألقوها دون تردد فوق الرؤوس. تلك هي، بشكل ملخص، قصة حزب الأصالة والمعاصرة؛ لكنها لم تنته هنا.

كان مزيج المحاليل في مختبر «البام»، إذا كانت هناك حاجة إلى التذكير بذلك، يخلط بين الأعيان الذين لا يأبهون عموما لمراعاة القيم السياسية أو مبادئها، وبين نخبة شبه يسارية تتحلل بشكل تدريجي من قيمها ومثلها العليا. وُضع الجمعان في قارورة واحدة، وشرع العاملون المخبريون في تحريك الخليط. كان اليساريون التائهون يعتقدون أن الغلبة لهم، فهم يشكلون الطبقة الناصعة التي من شأنها أن تمنح صدقية لمشروع الحزب، لكن الأعيان لم يقفوا متفرجين على أولئك المفلسين وهم يجمعون المال. في نهاية المطاف، لم يحدث ذوبان، ولم نر تبخرا؛ إننا نقف إزاء قارورة حزبية بصــدد الانفجــار النهائي.

لقد تناوب، حتى الآن، خمسة رجال على قيادة حزب، لم تكن مؤشرات جسده هي ما يظهر حقيقته على شاشة المراقبة الطبية. ولكل رجل قصة قصيرة، لكنهم جميعا، باستثناء إلياس العماري، كانوا رجالا مكبلين؛ لقد جرى تقييد آذان الأمناء العامين إلى سماعة هاتف العماري التي كانت ترن كل مرة بموسيقى مختلفة، ليس في وسع أحد تحديد صاحبها بالضبط. وكان وهبي صريحا وهو يعلن أن الحزب «ليس سوى رقم هاتف إلياس».

ولئن كانت القصص القصيرة للأمناء العامين لهذا الحزب لا تستحق سوى المحو من الذاكرة، فإن بعضها يستحق بعض الفحص، وإن كان ذلك ينطوي على طابع كاريكاتوري كحال الحزب على العموم. لدينا الآن أمين عام اسمه حكيم بنشماس، يملك في سجله السياسي ندوبا كبيرة، لكنه غير عابئ، فقد أدى دوره كما يجب في سلسلة الأوامر التي لم تكن تقبل سوى الانصياع، لاسيما إن كانت تقود إلى مناصـــب كبيرة.

بنشماس ليس إلياس على كل حال، لا يشبهه في أي شيء، لكننا درجنا على تحديد العلاقة بينهما بتلك العبارة السوسيولوجية الرائجة، أي الشيخ والمريد، لكنه كان أقل من مريد، ثم تمرد بشكل من الأشكال. سيقدم لنا بنشماس خريطة طريق حالمة، فهو، وإن كان قد تسلم حزبا مؤشراته، من حيث الشكل، تبعث على الاطمئنان، أراد أن يضيف شيئا ما. كانت العملية مثل استعمال قطعة غيار محرك نفاث في سيارة ذات طاقة محدودة.

النتائج معروفة سلفا، ولا تحتاج إلى الاختبار؛ وبنشماس على وعي بأن عهده قد يكون آخر «مراحل الدورة الحضارية» لحزب بالكاد أكمل عقدا في عمره. ما العمل إذن؟ ليس الكثير؛ إن بنشماس بصدد تفكيك الخلطة الكيميائية لحزبه، فهو يملك من البراعة ما يكفيه لحسم الأشياء الواضحة. إن نخبة اليساريين أو أطر المثقفين ذوي الميل اليميني المستحدث، قد جعلوه رئيسا عليهم لكي ينتهوا لمرة أخيرة، من وجع الأعيان، لكن الرجل، مثلما يفعل أي داهية، قلب المعادلة نحو الاتجاه المعاكس.

التصفية الجارية في الوقت الحالي لنخب «البام» لا ولن تهدأ حتى يصير بنشماس ديكتاتورا صغيرا. لقد رميت أوراق الحلم بمشروع منبعث كالفينيق من رماد مرحلة كريهة قادها إلياس نحو التكلس، وأوتي بأوراق اعتماد جديدة كلف أحد أكثر الأعيان مقاومة للتغيير بتنفيذها. إن حزبا يُدفع جملة إلى شخص آخر يفترض أن يكون وضعه ثانويا، كالعربي المحارشي (وهو من يقوم بوظيفة «الكماشة» في الحزب باعتباره رئيسا للهيئات التنظيمية ودوائر الانضباط والتحكيــــم)، غالبا سيقود نفسه إلى الهلاك.

كان إلياس يقود حزبه بالحديد والنار، سواء كان أمينا عاما أو لم يكن، ويحق لبنشماس أن يستعمل الحديد المفتول بنار إلياس لصنع قالب حزبي على مقاسه، ولا يهم من يعارض ذلك، فالرجل يبدو مقتنعا بأن وصفته ناجعة، وهو يعرضها بابتسامة عريضة.

لكن السياسة لا تصنعها الابتسامات المتكلفة، التي طالما أنفقت بخصوصها الكثير من الأموال لجعلها غير مصطنعة. الحقائق الأولية صريحة: إذا منحت الغلبة للأعيان فلا تنتظر أن تتغــير أشياء كثــــيرة، لكن أي شيء أفضل من أن يُترك زمـــام الأمـــور لثرثـــرة اليســـاريين المعتــــادين عـــلى جنــي الأرباح على حساب الأعيان المثــــقلين بالديــون السياسية.

إننا نراقب، بسخرية، تحولات حزب ليس كالأحزاب، ونحن على يقين من أن كل ما بمقدور بنشماس أن يفعله في هذه الظروف -ظروفه هو- كما ظروف «الآخرين»، هو أن يفعل ما فعله إدريس لشكر؛ أي أن يسلم لجام حزبه إلى «الراعي الرسمي» الجديد لهذه الكيانات الصدئة، وربما بدأ يفعل ذلك.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.