العيش دون سياسة

30/11/2018 - 13:53

 

تعيش المنطقة العربية دون سياسة. هذه خلاصة أحد كبار الصحافيين العرب المخضرمين الذين التقيتهم في لبنان هذه الأيام، الأستاذ طلال سلمان. لقد صار العرب دون قضية جامعة، ودون مشروع، ودون قيادة، وهكذا صارت الدول الأساسية بينها تافهة ودون تأثير، فيما صارت إسرائيل الدولة المحورية.
صادف يوم حاورته حدثين في المشرق العربي؛ زيارة رئيس تشاد القدس حيث استقبله نتنياهو، وجولة ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، في مصر وتونس والجزائر. استُقبل الأول بحفاوة صهيونية مُشفوعة بتصريحات صادمة حول موجة تطبيع دبلوماسي واقتصادي تشمل عمان والبحرين والإمارات وضمنا السعودية، بل إن أحدهم تجرأ على القول إن حوارا متقدما حصل مع السودان أيضا. لقد أراد الإيحاء (ربما كذبا) بأن الجميع يهرولون إلى إسرائيل، حتى أولئك الذين يتظاهرون بالممانعة، وأن «تل أبيب» صارت هي مركز الجذب في المنطقة وليس القاهرة أو الرياض.
أما الثاني فقد استُقبل بالاستنكار والاحتجاج والاتهام، على خلفية مقتل الصحافي جمال خاشقجي. حتى في مصر التي يحكمها الجنرال عبد الفتاح السيسي بالحديد والنار، رفض المصريون قدومه. وهي سابقة عربية، إذ لم يسبق تاريخيا أن استقبل أي زعيم عربي بالشكل الذي استُقبل به محمد بن سلمان.
صورتان متناقضتان أريد لهما أن يتصدرا المشهد في وسائل الإعلام العالمية؛ نتنياهو وهو يبشر بمشاريع اقتصادية ضخمة تربط الشرق الأوسط بأوربا عبر إسرائيل، استعدادا لـ«صفقة القرن»، التي يُراد لها أن تطوي القضية الفلسطينية طيّا وبأيدٍ عربية؛ ومحمد بن سلمان يتعثر في ثيابه هاربا من تهمة قتل خاشقجي التي ستكبّله لسنوات، وقد تقضي على مستقبله السياسي نهائيا.وليس الوضع خارج إطار الصورتين أفضل، حيث تغرق مصر في الفوضى والفقر والعنف السلطوي يوما بعد آخر، أما العراق فقد صار مقسّما بين طوائفه، ويبدو أن السيناريو نفسه تتجه إليه سوريا المقسّمة حاليا بين قوات عسكرية لأربع دول هي تركيا وإيران وروسيا وأمريكا، في حين يجري تدمير اليمن التي تحولت إلى حرب بين إيران، من جهة، والإمارات والسعودية من جهة ثانية، ولا يعرف أحد ما الثمن الذي يجب أن تدفعه اليمن أو الخطيئة التي ارتكبتها لتدفع ذلك الثمن. ولا يمكن التعويل على إمارات الخليجيين في أي شيء، فالمال وحده دون مشروع سياسي يتحول إلى آلة تخريب، وهو ما يحصل فعلا.
لم يعد هناك مركز عربي، فقد تحولت المنطقة إلى ساحة حرب بين القوى الإقليمية والدولية، والدليل ما يحدث في سوريا وليبيا. أما الأطراف فقد انصرفت إلى أولوياتها الخاصة، مثل المغرب والجزائر، لكن كليهما يعيشان دون سياسة أيضا، وإن تفاوت الوضع بينهما قليلا.
إزاء هذا التحول التراجيدي، انكفأت النخب على نفسها. لقد انحدر الوضع من شخصيات سياسية لها سمعة وصيت في الوطن العربي كله، بل وفي العالم، إلى نخب لا يكاد يعرفها أحد خارج أوطانها. ومع تدهور النخب، تراجع دور الهيئات والأحزاب والمنظمات العربية، ولم تعد الصلات بينها قوية كما كانت من قبل، بسبب غياب قضية تجمعها. والنتيجة أن «بعضها دمّره الاستبداد، وما تبقى منها أُفسد بالمال الخليجي»، حسب قناعة طلال سلمان. وبعبارة أخرى، صارت الشعوب العربية دون وسائط وأدوات لمقاومة الاستبداد والفساد.
ومع ذلك لا يمكن القول إن الشعوب استسلمت، صحيح أنها تعاني كوابح الفقر والقمع، لكنها تقاوم بطريقتها الخاصة. وهذا بالأساس ما يخيف الحكام العرب، خاصة في مصر ودول الخليج، التي تسابق الزمن نحو محاولة خنق جميع مساحات الحرية الممكنة، بما في ذلك الأنترنت. لقد كان صادما أن أسمع في لبنان أن بعضهم بات يفكر بشكل جدي في نقل التجربة الصينية في تدبير الأنترنت إلى بلاده، بهدف عزل شعبه عن بقية الشعوب العربية، حتى تبقى بعيدة عن عدوى الحرية والديمقراطية التي هبّت بقوة سنة 2011. 6

شارك المقال