بقليل من المهنية، وبكثير من القصد، أعلنت « جون أفريك » الأسبوعية، في ملف عددها الأخير، نهاية « العدالة والتنمية »، ولم تتردد أن تمارس في حقه التصنيف التقليدي، فتنسبه إلى الأحزاب التي تنشغل بقضايا الأخلاق، وتجرده من الكفاءة في إنتاج السياسات الاجتماعية، وتبصم على فشله في بصم الحياة السياسية، وتحكم على سبع سنوات من تجربته في الحكومة بالسنوات العِجاف.
كان من الممكن التعاطي مع هذه الأحكام ومناقشتها، لو ربطت الأحكام بمؤشراتها وتم التمييز بين المستويات، لكن يبدو أنها فضلت أن تلعب « لعبة » تمرير إعلامي، بإشارات سياسية لا تخطئها العين.
وردت معطيات في التحليل لا يمكن الجدال بشأنها فيما يتعلق الإكراهات التي واجهت حكومة العدالة والتنمية، وما يرتبط بشروط السياسة التي تشكلت فيها حكومة العثماني، والتي بسببها انتهت المجلة إلى أن الحزب أصبح – مثله مثل بقية الأحزاب – يلخص برنامجه في « تنفيذ تعليمات الملك ».
لكن، إذا كان سياق السياسة بعد انتخابات السابع من أكتوبر، انتهى بالعثماني إلى الرضوخ للشروط التي قاومها بنكيران، وألزمه « الإكراه » بقبول تحالف من ستة أحزاب، فإن واقع ممارسة الحزب للسياسة قبل الإكراه، كان مختلفا، من حيث القدرة على الجمع بين مقاومة ضغوط الحلفاء، وبين تعزيز الثقة مع الملكية، وبين طمأنة النخب والاستمرار في تبني خط الإصلاح وتجديد التعاقد المجتمعي، تلك القدرة التي ترجمتها بوضوح نتائج محطتين انتخابيتين.
هذه المفارقة الدالة، تجعل من إلحاق تجربة بنكيران الحكومية بتجربة العثماني، خيارا « فوق » التحليل، أو للدقة، « تمريرا » إعلاميا لرسالة سياسية تقصد إنهاء الفوارق بين مرحلتين وسياقين وأسلوبين، وإلحاق الأولى بالثانية، وطمس الإصلاحات التي تحققت، وقتل المعنى في النتائج الانتخابية لسنة 2015 و2016، رسالة سياسية تقصد بهذا الإلحاق ترسيم « نهاية » حزب، وممارسة قدر غير قليل من الطمس لمعالم تجربة إصلاحية فريدة، ليس فقط في إصلاحاتها، ولا في رؤيتها لتدبير الشأن الحكومي، ولكن، أيضا، في أسلوبها في ممارسة السياسة.
فرانسوا سودان، عبر الخطأ أو سوء التحليل أو ربما بقصد التمرير، لم ينتبه – وهو يلحق تجربة بنكيران بتجربة العثماني- إلى تمايز الأسلوب، فاستخلص « فشل » العدالة والتنمية في ترك بصمة في سياق مغربي له خصوصيته، كونه نظام سياسي يجمع فيه الملك بين المسؤولية السياسية والدينية، ويتطلب أن تتأرجح الدينامية السياسية بين طاعة الملك وبين مواجهة التحكم، وكذلك فعل الملف، حين جمع حصيلة التجربتين في خانة واحدة، مع ما بينهما من التمايز والمسافة.
ليس سهلا على سودان أو غيره، ولا على « جون أفريك » أو غيرها، أن تمارس التغليط بهذا الخلط المتعمد، فالسياسة مع بنكيران، نجحت بالمقاييس الأهم: مقياس السياسة: كونها أنتجت صيغة في التعامل مع الواقع السياسي المغربي المعقد، وذلك بالمزواجة بين تعزيز الثقة مع الملكية وبين توجيه البوصلة الإصلاحية في اتجاه تجديد التعاقدات المجتمعية، بحيث لا يستطيع أحد اليوم، أن ينكر نجاح هذه الصيغة وفعاليتها وقدرتها الإصلاحية والمقاومة. ومقياس الرؤية، لإصلاح السياسة، وإصلاح مالية الدولة، والجرأة في تبني الإصلاحات والدفاع عنها، وإنتاج سياسات اجتماعية، انتهت الدولة في نهاية المطاف إلى تبنيها بالكامل.
من المبكر اليوم، محاكمة تجربة العثماني في الحكومة، وإن كانت شروط السياسة لا تشجع على خوض هذا التمرين، لكن بالنسبة إلى تجربة بنكيران، فالأمر يختلف، بالمؤشرات الانتخابية والسياسية، والتدبيرية، بل « البلوكاج » نفسه، سيظل ينظر إليه برمزية شديدة، من طرف فئات عريضة من الشعب، مافتئت تعبر عن أن عدم تمكين بنكيران من تشكيل حكومته، هو الشاهد الأكبر على نجاح صيغته في ممارسة السياسة.
أعترف أني تورطت هذه المرة في السجال، لكن، ليس القصد الرد على افتتاحية « سودان »، ولا مجلة « جون أفريك »، ولكن القصد مواجهة « تمرير » إعلامي محمل برسالة سياسية، تحاول بكل الوسائل الخلط والانتقاء أن تؤسس لمقولة « نهاية » حزب برمته، وليس فقط انتقاد تجربة حكومية أضعف فعلها الإصلاحي قبولها لشروط الإكراه.