قتل الصحافة وإهانتها..

02/12/2018 - 13:47

ما الذي تربحه السلطوية بإمعانها في إهانة الصحافة؟ لا أقصد هنا الصحافة المهنية المستقلة، بل تلك التي جرى تفريخها وتنشئتها في دفيئات (les serres) السلطة، إلى أن باضت وأصفرت وأصبحت صحافة ضد الصحافة. لماذا لا تترك لها ولو مجرد هامش صغير من الحرية لتنفيذ الأجندات، وتصر على إلحاقها التام بالإدارة؟

إن قمة إذلال مهنة ما، هي تطويعها وتسخيرها ضد نفسها من لدن مهنة أخرى، حيث يصبح الصحافي مجرد مترجم لتقارير أمنية حول زملائه الصحافيين الذين لا يروق خطهم التحريري هذه الجهة أو تلك في السلطة. وهذا بالتحديد ما حدث لجريدة إلكترونية محسوبة على عامل سابق في وزارة الداخلية، عندما ترجمت، قبل أيام، تقريرا قيل إنه أمني عن تأسيس مكتب نقابي في « أخبار اليوم »، وحققت «سبقَ» نشره كما لو كان حدثا مهما. الزميل المكلف بترجمة « التقرير الأمني »، وبما أنه يعرف أنه يؤدي وظيفة بمقابل وليس صحافيا يملك قلما وضميرا، فقد «نزل» على التقرير المكتوب، غالبا، بالفرنسية دون عناء التأكد من صحة الأسماء الواردة فيه؛ فجاءت أسماء الزملاء على هوى «google traduction»، وأصبح اسم بارع هو بريء، واسم حرودي هو هارودي، واسم بلشقر هو بلشكر. لقد كانت غاية الزميل- العامل، هي ذبح جريدة مزعجة دون حتى العمل بالحديث النبوي: «إذا قتلتم فأحسنوا القتلة». أما الوسيلة فهي النشر السريع لإخبار الرأي العام بأن صحافيي «أخبار اليوم» شكلوا مكتبا نقابيا، مع الإيحاء بأنهم فعلوا ذلك للحؤول دون اغتصاب حقوقهم والاتجار فيهم وبيعهم لـ«يدعوت أحرنوت». لذلك لم يعمل الزميل العامل، أو من ينوب عنه، حتى على مراجعة المادة الصحافية التي «شقلبت» أسماء صحافيين معروفين. ومثلما أصبح موقع الزميل العامل، وأمثاله من جرائد ومواقع التشهير، يدافعون عن الفقيد بنعيسى آيت الجيد، ليس لأنهم أصبحوا ماركسيين، بل فقط للنيل من شخصية سياسية تزعجهم مواقفها، ها هم يدافعون عن العمل النقابي داخل «أخبار اليوم» ليس حبا في صحافييها، ولا سعيا إلى ضمان حقوقهم، بل اعتقادا بأن ذلك سيساعدهم في تصفية الجريدة التي يتمنون سقوطها في أي دورة مثلما يتمنى أرنب سباقٍ، ذو خيال مخبول، سقوط العدائين الحقيقيين لكي تخلو له حلبة السباق، متناسيا أنه مجرد أرنب، وأن دوره لا يتعدى التمويه والتشويش. ولو أن هذه المنابر، التي استبدلت الخبر بالاستخبار، كان فيها حد أدنى من المهنية، لكلفت صحافيا بالاتصال بنقابة الصحافيين لإمدادها بمحضر الاجتماع، وجنبت نفسها أن تتحول إلى أضحوكة على وسائل التواصل الاجتماعي.

إن السلطوية، وهي تواصل مسلسل قتل الصحافة المستقلة وإهانة الصحافة التابعة لها، تفعل ذلك انطلاقا من قناعة ترسخت لديها بأن الصحافة تشوش على قراراتها، وأن قتل الصحف المستقلة عنها وضبط التابعة لها، هو الحل لكي لا يعلو أي صوت على صوت السلطة. لكن، عندما تصطدم بالحائط، وتحتاج إلى من يدافع عن بعض الاختيارات التي توحد أغلب المغاربة، تجد أنها قتلت الصحافة ذات المصداقية، وأن صحافة مثل التي يشرف عليها الزميل العامل لا يمكن أن تفي بالغرض، وبالتالي، تلجأ إلى صحافيين دوليين قد يوصلون صوتها إلى بعض مراكز القرار، لكنهم لا يستطيعون إعطاء مصداقية كبرى لقرارات عادلة ومصيرية. إن ما يقال عن أن الدولة المغربية تراهن على محامين خاسرين في قضية مربوحة، هذا واحد من أوجهه الفاضحة.

ولكي لا يبقى كلامي نظريا، سأسوق واقعة دالة. في أبريل 2000، أجرى الصحافي بوبكر الجامعي حوارا مع زعيم البوليساريو الراحل، محمد عبد العزيز، بعدما بلغه أن البوليساريو ستقبل مقترحَ حلٍّ ثالث كان يجري تحضيره من لدن أمريكا وفرنسا، وهو الذي طرحته الأمم المتحدة في يوليوز من السنة نفسها. خلال هذا الحوار الاستثنائي، سأل الصحافي المغربي زعيم البوليساريو إن كان سيقبل حلا ثالثا غير الاستفتاء أو البقاء دون شروط تحت السيادة المغربية، فكان جواب محمد عبد العزيز مفاجئا: «إذا لم ينفع حل الأمم المتحدة (الاستفتاء)، فبالإمكان ساعتها أن نتباحث حول حل آخر». وقد حكى لي الصديق بوبكر كيف أنه بعد نهاية الحوار، سحبه المستشار الدبلوماسي لمحمد عبد العزيز، والذي كان حاضرا أثناء إجراء الحوار، وقال له: «الحل الثالث الذي تتحدث عنه، إذا كان سيصون كرامتنا وكرامتكم، فما المانع من تطبيقه؟».

كيف تصرفت السلطات المغربية مع هذا المجهود الصحافي المهم؟ تعاملت معه، تقريبا، مثلما تعاملت السلطات السعودية مع ناشطات حقوقيات طالبن بحق المرأة في قيادة السيارة، اعتقلتهن وسمحت للنساء بالسياقة، إذ منعت جريدة «لوجورنال» التي نشرت الحوار، وبعدها بأشهر تبنى المغرب خيار الحل الثالث!

إن أحسن مثال يمكن استحضاره الآن في هذا الصدد، هو حالة السعودية التي أهانت صحافتها، وخنقت حتى الصحافيين الذين كانوا مقربين منها مثل جمال خاشقجي، وأنفقت، في المقابل، أمولا كثيرة على صحافة البروباغاندا في محيطنا العربي وفي العالم، لكنها، في كل منعطف دقيق، كانت تجد نفسها عارية أمام الصحافة القوية في أمريكا وتركيا وقطر… فلو كان النظام السعودي يسمح للصحافة المستقلة بتنبيهه إلى أخطائه الحقوقية الصغيرة والمتوسطة، لما تمادى حتى سقط في خطأ جسيم مثل قتل خاشقجي، وهو الحدث الذي لن يطوى حتى يطوي معه صفحة من صفحات آل سعود.

شارك المقال