إشكالات الحياة الخاصة

11 ديسمبر 2018 - 13:26

من الآن على المواطنين الحذر من تبادل الصور والفيديوهات التي تمس بالحياة الخاصة، وعليهم أن يعرفوا أنهم قد يتعرضون للسجن 3 سنوات، بل 5 سنوات أحيانا، بسبب التقاط صورة وإرسالها إلى صديق.

فقبل أن ترسل صورة التقطتها في مكان خاص، اقرأ جيدا المذكرة التي بعثها محمد عبد النباوي، رئيس النيابة العامة، في 6 دجنبر 2018، إلى الوكلاء العامين ووكلاء الملك. جاءت المذكرة في سياق تفسير القانون المتعلق بالعنف ضد النساء، الذي دخل حيز التنفيذ في 13 شتنبر 2018، والذي تضمن فصولا تحمي المرأة من العنف، وتضمن أيضا مقتضيات تتعلق بضمان حماية جنائية للحياة الخاصة.

ماذا تقول هذه المذكرة؟ إنها، أولا، تمنع التقاط أو تسجيل أو بث أو توزيع أقوال أو معلومات بشكل خاص أو سري عبر أي وسيلة، مثل الرسائل الهاتفية النصية، أو تسجيل المكالمات واستعمالها دون موافقة المعني بها. ثانيا، تمنع التقاط صور شخص أثناء وجوده في مكان خاص، أو بثها وتوزيعها دون موافقته. ومن أمثلة الأماكن الخاصة، التي أوردتها المذكرة: غرفة الفندق، المرأب، المسبح الخاص، السيارة، ولو وجدت في طريق عام، وطبعا يمكن القضاء أن يجتهد حسب النوازل في تحديد مفهوم المكان الخاص تضييقا أو توسعا. كما يشمل التجريم نشر فيديوهات الحياة الخاصة، التي التقطت دون موافقة، سواء كانت مختلقة أو صحيحة. وعموما، يظهر أن الأساس في هذه الجرائم هو الوسائل المعلوماتية المستعملة، مثل الهواتف ووسائل التواصل الاجتماعي، وليس نقل الكلام الشفهي.

تصل العقوبة في هذه الجرائم إلى 3 سنوات، وقد تشدد إلى 5 سنوات، وغرامة من 5000 إلى 50.000 درهم، في حال ارتكاب الجريمة من لدن الزوج أو الطليق أو الخاطب أو أحد الأصول أو ضد قاصر.

لا شك أن هذه الإجراءات مهمة وتحمي الحياة الخاصة، لكن هناك عدة إشكالات وتحديات مطروحة، خاصة في ما يتعلق بالعمل الصحافي، وبعدم ضمان الحياة الخاصة لـ«الخصوم». عدم التمييز بين الشخصية العامة والشخصية العادية يطرح إشكالا للصحافة بشأن نشر معطيات عن شخصية عامة في مكان خاص، خاصة إذا كان النشر يستهدف كشف فساد مالي أو أخلاقي أو استغلال المنصب. ينطبق الأمر نفسه على نشر فيديو بالصوت والصورة لشخص دون موافقته. فماذا عن نشر تسجيلات في مكان خاص لتجار الانتخابات وهم يتفاوضون على شراء الأصوات؟ طبعا القانون يشترط «قصد المس بالحياة الخاصة»، لكن مفهوم القصد هنا خاضع للسلطة التقديرية للقاضي.

أيضا، فإن الكثير من التحقيقات الصحافية تعتمد التصوير والتسجيل السري، دون كشف الوجوه، مثل كشف عمليات التهريب أو شبكات الدعارة أو النصب، وذلك لكشف ظاهرة معينة للرأي العام؟ فماذا لو ادعى أحد الأشخاص المس بحياته الخاصة في هذه التسجيلات، أليس هذا تضييقا جديدا على العمل الصحافي؟

من جهة أخرى، هناك بعض المواطنين يسجلون سريا مكالمات وفيديوهات لإثبات تعرضهم للابتزاز، أو لكشف الفساد، ويضعونها في اليوتيوب، مثل تسجيل طلب رشوة. مذكرة عبد النباوي تشير إلى أن الاجتهاد القضائي اعتبر أن التسجيل الذي تكون الغاية منه تقديم دليل للقضاء أو الشرطة، لا تقوم معه هذه الجريمة، أي يجب تقديم الدليل للقضاء، وليس نشره.

أتذكر أنه عند نشر «أخبار اليوم» وثائق تعويضات بنسودة ومزوار، جرت متابعة مواطنين بتهمة إفشاء السر المهني، رغم أن التعويضات لم تكن قانونية، وقيل حينها إنه لا يمكن الاستفادة من قانون التبليغ عن الرشوة باعتبارهما بلغا عن فساد، لأنهما لم يلجآ إلى النيابة العامة، إنما لجآ إلى الصحافة، علما أن النيابة العامة تملك سلطة المتابعة بناء على الوقائع التي تصل إليها عبر الإعلام.

يطرح ملف توفيق بوعشرين، أيضا، إشكال الحياة الخاصة، فليس هناك جواب عن سؤال استعمال كاميرات في ما يفترض أنه مكتبه، وهو مكان خاص، ولم نرَ أي تحقيق يجيب عن سؤال من وضع الكاميرات؟ ولم ترفع البصمات لمعرفة من وضع تلك الأجهزة. وفي قضية لطفي الحساني، من جماعة العدل والإحسان، الذي شمعت السلطات منزله، نشرت صور من داخل بيته في عدد من المواقع الإلكترونية لإظهار أنه حول بيته إلى مسجد، رغم أن البيت مكان خاص، ويوجد تحت مسؤولية السلطات التي أغلقته، فهل تحول البيت من مكان خاص إلى مكان عام، وجرى السماح بتصويره من الداخل؟ وهنا يطرح إشكال حماية الحياة الخاصة التي تستباح حين يتعلق الأمر بـ«الخصوم» كيفما كان توجههم.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

hkm net منذ 3 سنوات

المرجو من الأخ الصحفي مطالعة قانون الصحافة ،الفصل الثالث المادة 89