الحياة في القرن التاسع عشر

11/12/2018 - 13:53
الحياة في القرن التاسع عشر

 

عندما أتذكر أيام الطفولة، يُخيل إليّ أنني عشت في إحدى روايات فيكتور هوغو أو إيميل زولا، «البؤساء» أو لـ«جيرمينال» أو «نوتردام دوباري». حياة لا يعرفها إلا من ولد في الجزء «غير النافع» من الخريطة. كلهم كانوا معنا: كازيمودو وجان فالجان وعمال المناجم البؤساء. كازيمودو كان اسمه محيي الدين. شخص غريب، من الصعب أن تعرف عمره. أصله إسباني، وشغله حمل الخبز إلى مطعم المدرسة. لا أحد يعرف كيف قذفت به الصدفة إلى هنا، هل هي المغامرة أم الحرب الأهلية؟ أم تراه ارتكب جريمة وهرب؟ لكن المؤكد أن محيي الدين كان حمارا حقيقيا، لا يتكلم ولا يمكن أن تراه بلا أثقال. احدودب ظهره من كثرة حمل الكراطين والأكياس، وصار يمشي متمايلا كأنه أعرج. كنا نشعر بتعاطف غامض معه، لأنه غريب «بلا عائلة»، كما تعاطفنا مع «ريمي» بطل قصة هيكتور مالو، من أول يوم رواها لنا فيه معلم الفرنسية، الذي اضطر إلى تضييع أسابيع طويلة في ترجمتها إلى الدارجة، بعد أن يئس من قدرتنا على فهم القصة بالفرنسية. كنا محترفين في إثارة الشغب، لكن القسم كان يتحول إلى مسجد من كثرة الخشوع كلما بدأ المعلم يروي فصولا من حياة «ريمي» اليتيم مع الأم «باربوران» وكيف باعوه بأربعين فرنكا إلى «فيتاليس»… حين شاهدنا «ريمي»، بعد ذلك، في رسوم متحركة، لم نستطع أن نتمالك دموعنا، لأنه كان قد تحول إلى فرد من العائلة.

محيي الدين كان يبتسم كلما لمحنا نتقافز أمام المدرسة، لكن من الصعب أن ترى في ابتسامته شيئا آخر غير الألم. ابتسامة عريضة تفضح حزنا قديما يركد في الأعماق. ليست ابتسامة في الحقيقة، بل تكشيرة أسنان، مثل تلك التي تصدر عن شخص يتعرض لوخز بالإبرة، كأن الزمن يغرز دبابيسه في جسد محيي الدين بلا رحمة. لا شك أنه كان يتألم بسبب الأثقال التي يحملها على كتفيه: كراطين المطعم، أسرار حياته المجهولة، الذكريات التي أصابها الصدأ من كثرة ما احتفظ بها لنفسه. رجل بلا أهل ولا بلاد ولا أصدقاء، يمشي متعثرا، ويتألم عندما يرى الأطفال… حين أستعيد صوره الآن، يخيل إليّ أنني لم أشاهده في تلك المدينة القاسية، بل في أحد الأفلام القديمة.

كان في المدينة بؤساء آخرون، يشتغلون في مناجم الرصاص والنحاس. غادرت الشركة الفرنسية التي كانت تستغلها، وتركتهم يتدبرون أمرهم مع البطالة وأمراض الصدر وضيق التنفس. قضوا حياتهم في الغيران يستخرجون ثرواتها، وحين ذهبت الشركة تركت لهم رئات مثقوبة. معظم سكان المدينة عمال مناجم أو جنود. كلما رأينا حشدا أمام أحد البيوت نعرف أن الموت مر من هنا: إما أن جنديا مات في الصحراء أو عامل منجم قضى تحت الأنقاض. مع ذلك، كنا نحاول أن نلعب ونضحك، أن نعيش كالآخرين. لم نكن نعرف، وقتها، أن البؤس عقوبة «مخزنية»، وأن المدينة التي اختارها محمد الفقيه البصري لشن مغامرته المسلحة ضد الحسن الثاني، تدفع الضريبة. المعارض القديم حاول إسقاط النظام عام 1973 وفشل، وبقينا نحن نؤدي الفاتورة كل يوم. الدولة أهملت المدينة عن سبق إصرار وترصد. الناس يموتون من الجوع ولا أحد ينتبه إلى ذلك، يقتاتون على الخبز والشاي في بيوتهم الباردة. درجة الحرارة تنزل تحت الصفر، ومعظم العائلات لا تستطيع توفير حطب التدفئة. كان من العادي جدا أن تغرق أحياؤنا في الظلام. تازمامارت على مرمى جبل. عندما كانوا يقتادون سجناء جددا إلى المعتقل الرهيب، كانوا يقطعون الكهرباء على المدينة. الماء أيضا كان يقطع في الصيف، ويتكدس الناس أمام سقايات الحي كي يملؤوا السطول والبراميل للشرب والطبخ وغسل الملابس والأواني… الآن، بعد كل هذه السنوات والمدن والعواصم، أستطيع أن أقول بلا تردد إنني ولدت في القرن التاسع عشر.

شارك المقال