ما بعد السلمية..

12 ديسمبر 2018 - 14:23

منذ اندلاع احتجاجات السترات الصفراء، أثير نقاش حول جدوى السلمية، دون استحضار للسياقات، ولا لأشكال الحكم، بين دول وصلت إلى أزمة الديمقراطية التمثيلية، وأخرى طال انتقالها الديمقراطي، وثالثة لاتزال غارقة في الديكتاتورية وتوابعها المذهبية والطائفية. ووصل تماهي البعض مع مشاهد الحرائق ورشق القوات العمومية بالحجارة حد محاكمة شعار الزفزافي: السلمية ثم السلمية ثم السلمية.. واعتبار ذلك النهج مسؤولا في رأيهم عن “فشل” الحراك.

ليست هذه أول مرة يثار فيها النقاش حول ثنائية السلمية والعنف، وتوزعت المواقف بين ثلاثة: رأي يقدس اللاعنفية مطلقا، وآخر لا يرى من طريق للتغيير سوى العنف الثوري، وثالث وسط بينهما، يعتبر المقاومة بشكليها السلمي والعنفي تكتيكا يخضع للممكن مرحليا. وفي مرحلة سابقة، حيث كان العالم منقسما بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي، التصق العنف الثوري بالحركات الماركسية والأناركية، فيما كان خيار اللاعنفية غالبا مرتبطا بالحركات المناهضة للأنظمة الشيوعية، وقد كان مسنودا بـ”بروباغندا” أمريكية كانت تروم إنهاك الأنظمة المرتبطة بالاتحاد السوفياتي داخليا، ونزع الشرعية الأخلاقية عنها عبر التضخيم من انتهاكاتها لحقوق الإنسان، وتطورت هذه الحركات المسنودة غربيا من حركات شبيهة بحركة “تضامن” البولندية إلى ما سيسمى لاحقا بالثورات الملونة، التي كانت مسنودة بتأصيلات نظرية وبمدارس لتعلم تقنيات المقاومة اللاعنفية (كانفاس بصربيا).. وإذا كان تروتسكي قد ذهب أن الإمبريالية من مصلحتها تشويه العنف الثوري المنظم، واعتبر أن استثمار ما تتيحه الديمقراطية الليبيرالية من هوامش لا يجب أن يدفع الثوريين لاستبعاد العنف الثوري لحظات الطفرة الثورية، وإلا سيسقط الثوريون في إصلاحية قاتلة ومدجنة، فثمة من كان موقفه أكثر تصلبا من مثل “فرانز فانون”، الذي اعتبر العنف الثوري قضية لا تقبل التأجيل ولا تخضع للتكتيك، بل هي جوهر كفاح المعذبين في الأرض وإلا سيتماهى المعذبون مع أخلاق الجلادين، وسيتم ترويضهم على العبودية المختارة.
اعتقد كثيرون أن هذا النقاش ينتمي إلى زمنية التقاطب الرأسمالي/ الاشتراكي، لكن تطور الرأسمالية من الإمبريالية المباشرة كأعلى مراحل تطورها نحو النيوليبيرالية المتوحشة، أعاد النقاش حول خياري السلمية والعنف (سواء العفوي أو المنظم)، فحين كتب الناشط الأمريكي “وارد تشرشل” كتابه: “مرض المسالمة”، الذي يحاكي فيه “مرض الطفولة اليسراوية” عند لينين، والذي ينتصر فيه لـ”مالكوم إكس” على حساب غاندي، سيرد عليه داعية اللاعنف “جورج لاكي” بكتاب: “العمل اللاعنفي مصدر شفاء”، لكن الجديد هو أن النقاش بين الخيارين أصبح نقاشا في الوسائل وليس في المبادئ، في التكتيك وليس في الاستراتيجية، فلم يعد أحد تقريبا يتحدث عن العنف الجماهيري المنظم على الطريقة الماوية، ولا عن حرب التحرير الشعبية على النموذج الكوبي.

في المركز الرأسمالي توالت منذ سقوط جدار برلين مجموعة من الأحداث التي توسل فيها المحتجون بالعنف، كاحتجاجات الضواحي، والتظاهرات المناهضة للعولمة، وتحركات السود ضد عنصرية قوات الأمن في أمريكا… لم تربك كل هذه الأحداث النسق المنتج للسياسات، ولكن، كذلك، لم تكن ثمة خسائر كبرى في صفوف المحتجين، بسبب الأنظمة القضائية، وبسبب أن هذه الأنظمة نفسها كانت تمنع تطور الأحداث في اتجاه المعادلة الصفرية، وكانت تعتبر أن مهمات أدوات القمع المشروعة هو استتباب الأمن وعودة “الهدوء”، أن الدولة قوية بالقدر الذي يجعلها تطمئن حين يعود المحتجون لمنازلهم ورجال الشرطة لمخافرهم. فهل يجوز استنساخ ما يقع هناك في هذا الهنا المطبوع بسلطوية أكبر وعدالة أقل؟ حين انطلقت الثورة السورية رفعت ثلاثة شعارات مركزية: “لا للطائفية”، “لا للعنف”، “لا للتدخل الأجنبي”، كان العقل الثوري واعيا أن النظام سيسعى إلى جرهم صوب مستنقع العنف الذي يتقنه، وإلى مستنقع الطائفية الذي سيحدث انقساما وسط الشعب لن يستفيد منه سوى النظام باعتباره حامي الأقليات، كما كانوا واعين بضرورة قطع الطريق على أي تدخلات خارجية ليست في مصلحة لا الثورة ولا البلد، وحين صعّد النظام في قمعه، تم اختراق الصف الثوري بالدعوات إلى عسكرة الانتفاضة بدعوى حماية التظاهرات السلمية، فسقط شعار السلمية، ليسقط بعده الشعار الرافض للتدخل الأجنبي والطائفية. فكانت الكارثة، وسرقت الثورة من طرف تجار الدم وعملاء الخارج. لا قياس مع وجود الفارق، بين الممكن هناك والمستحيل هنا، فكل نزوع نحو العنف هو سقوط فيما تريده الأنظمة السلطوية، وإذا كان البعض يعتقد أن تكلفة السلمية في حراك الريف مثلا كانت كبيرة، فعليه أن يستوعب أن السقوط في العنف كان سيكون بمثابة قبلة الموت.. ففي مواجهة عنف “الجماهير” لن تتورع الأنظمة السلطوية عن تجريب كل الخيارات القمعية الأشد عنفا، لدرجة يصبح معها الاستقرار هو أعز ما يُطلب شعبيا، وتتحول الجماهير التي كانت تطالب بالتغيير إلى كتلة تطالب الدولة القمعية باستتباب الأمن.. فللدولة السلطوية أساليبها في اختراق التظاهرات السلمية فما بالك بالعنفية، فنصبح أمام عنف لن يستطيع أحد السيطرة على مداه ولا التحكم فيه. تحتاج المقاومة اللاعنفية إلى نفسٍ طويل، وتشتغل في حقل ألغام، فعليها أن تتجنب الصدام العنيف من جهة، دون أن تقع في الرضوخ والاستسلام من جهة أخرى، وعليها أن تؤمن بقدراتها الذاتية وتحترز من إغراءات الدعم الخارجي.. لكنها مع كل هذه الصعوبات تظل الأقل تكلفة والأرجح 
في إمكان التغيير ولو في مدى زمني أطول.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.