قضية حامي الدين...

14 ديسمبر 2018 - 15:18

تصفية شخص أم إنهاء الحاجة إلى حزب؟

يصعب أن نعطي توصيفا آخر لإعادة متابعة عبدالعلي حامي الدين في قضية صدر فيها حكم نهائي، غير كونه إيذانا بدخول “التحكم” على الخط، واستعمال مؤسسة القضاء لتصفية الحساب مع حزب سياسي يوجد اليوم على رأس التدبير الحكومي.

أنصار أطروحة التحكم، لا يرون بأسا ولا حرجا في استعمال الأشخاص والأحزاب، وحتى المؤسسات لتحقيق طموحاتهم التي استحال تحققها بقوانين السياسة، لكنهم لا يدركون خطورة هذا الرهان، والفروق الكبيرة بين استعمال الأشخاص والأحزاب والمؤسسات.

بالنسبة إلى الأشخاص، فثمة مخزون مهم يمكن الالتجاء إليه لتوسيع الموارد البشرية الداعمة للتحكم، فهناك مناضلون قدامى، وقعوا في دائرة الإحباط بسبب عدم تحقق أحلامهم الثورية أو النضالية، ثم ضياع حظهم في الدنيا، فيعلنون اليوم جاهزيتهم للدخول في هذا المشروع وتأثيث مقاعده ولعب الأدوار القذرة، أما بالنسبة إلى الأحزاب، فمن السهل التحكم فيها بآليات الاختراق والترويض والإلحاق وغيرها، وفي الحالتين معا- توظيف التحكم للأحزاب والأشخاص- فالنتيجة التي ظهرت على أرض السياسة هي  تراجع مساحة استقلال القرار السياسي وانهيار أنظمة الوساطة بالنسبة إلى الأحزاب، وبؤس المثقف والمناضل بالنسبة إلى الأشخاص.

أما بالنسبة إلى مؤسسة القضاء، فإن المخاطر أكبر، ففضلا عن تعريض البناء الدستوري بكامله للاختلال، وضرب مبدأ توازن السلط، فإن المواطن بدخول التحكم على خط القضاء لن يشعر بعد اليوم بالأمان، مادامت هناك سلطة أخرى غير سلطة القانون، تتدخل لتتحكم في حريته، وتجعلها مقيدة بـ”الدخول إلى الصف”.

والواقع أن إمكانية التحكم في القضاء من أطرافه وإن كانت ورادة، وقريبة في شكلها من توظيف الأشخاص، إلا أن مستقبلها محكوم بالفشل، فالظواهر السياسية، التي تنشأ من رحم المجتمع، وتصعد بشروط السياسة، في دائرة الطبيعة، يصعب إنهاؤها أو إضعافها بهذه الطريقة، بل التجارب والوقائع القريبة والبعيدة، تؤكد بأن الظواهر تستمر وتتقوى وتتوسع كلما تم الاستعاضة عن الطبيعة بالتحكم، وعن السياسة بتوظيف المؤسسات وإخراجها عن اختصاصاتها، وكلما تم التحريك القسري للمجتمع من غير وعي منه لإدانتها على شاكلة مسيرة ولد زروال الرديئة.

هل كان البلد في حاجة إلى الدخول في هذا الضيق بتعريض مؤسسة القضاء للحرج، وخلق الالتباس وتوسيع الشك حول اختياراته الحقوقية؟

لا أظن ذلك، ولا حتى الحزب الذي يقود الحكومة، يستحق مثل هذه الإهانات المتكررة لمحاولة بهدلته وتعريض سمعته وصورته للنسف.

في سياق الصراعات السياسية والتوترات، قد نفهم أن تقدم جهة ما على استهداف حزب من الأحزاب، أو تشويه سمعته، أو المس بمناضليه، لكن، بالنسبة إلى حالة المغرب، فالوضع جد مختلف، فلا هو يعيش لحظة صراع أو توتر بين مؤسساته، ولا الحزب الذي توجه إليه اليوم مثل هذه المناورات، جاء من خلفية ثورية أو انقلابية أو حتى خلفية مغالبة للشرعية، فالحزب مافتئ يقدم نفسه على أساس أنه يتبنى الدولة، ويدافع عن اختياراتها، دون أن يأخذ ثمنا على ذلك، وجاء بعبارة بنكيران لـ”مساعدة الدولة”، واعتبر أن ليس هناك صيغة ممكنة للخروج من الربيع العربي الممتد إقليميا سوى بالإصلاح في ظل الاستقرار وبشراكة مع الملك.

إذا كانت الرسالة، هي نهاية الحاجة إليه، فهذا ممكن خارج منطق البهدلة، إما بصيغ الدستور إن كان هناك استعجال، أو بديناميات السياسة، إذا كان الصبر يتحمل انتظار الاستحقاق الانتخابي المقبل.

تقديري، أن العدالة والتنمية اليوم، بالشروط التي يشتغل فيها، لا يربح سياسيا في موقعه الحكومي، بل يتحمل كلفة كبيرة سواء في مواجهة تحديات تراجع شعبيته، أو محاولة تسوية وضعية تماسكه الداخلي، وما يبرر وجوده في الحكومة ليس هو رغبته في مراكمة إصلاحات تعود على شعبيته بالتوسع في الاستحقاقات المقبلة، وإنما يتبرر استمراره في موقع الحكومة اليوم، بالدواعي نفسها التي جعلته يقف مع الدولة على نقيض حراك 20 فبراير 2011، ويساعدها في تجنب مطبات اللاستقرار.

أن يأتي حزب أو يروح، فهذا أمر ممكن وسهل، سواء بشروط الدستور، أو بشروط السياسة، وهذا إن تم بالآلتين معا، لا يؤثر على الاستقرار ولا على صورة المغرب وسمعته، لكن الخطورة، هي أن تبرر عدم الحاجة إلى حزب ما عند بعض الجهات اللجوء إلى آليات التحكم، بإخراج المؤسسات عن وظيفتها، والمقامرة بتوازنها لتحقيق طموح لا مستقبل له..

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

tchafer منذ 3 سنوات

تعليق ممتاز تستحق نقطة ممتازة شكرا على التعليق

سعيد منذ 3 سنوات

تحليل جيد، برافو

hamid منذ 3 سنوات

البجدي صفق لاستقلال القضاء عن وزارة العدل وسلمه جاهزا لقوى التحكم وللدولة العميقة لتفعل به ما تشاء فهم سجنوا نشطاء الريف باسم استقلالية القضاء و سجنوا الصحفيين المهداوي وتوفيق بوعشرين في ظل القضاء المستقل يا حسرة وهاهم سيسجنون حمي الدين ويدمرون الحزب بكامله بواسطة نفس الادوات القضاء اصبح زرواطة في يد التحكم