تكوينات احتيالية..

19 ديسمبر 2018 - 15:39

هناك سيد/ سيدة تقترح تكوينات وبرامج تدريب في هذه المجالات: ريادة المشاريع، التسويق، التعامل مع الإعلام، الاقتصاد والأعمال، إعداد الخطط الداخلية للمقاولات، تسيير المقاولات، التخطيط الزمني وغيرها. ولا عيب في تقديم التكوينات والتداريب في أي مجال. لكن صاحبنا وصاحبتنا تنقصهما التجربة والاشتغال. هما هنا مجردان، لكنهما في الواقع تعبير عن ظاهرة يقتات منها أدعياء كثر. والسؤال هنا: كيف لشخص بلا تجربة في أي من تلك المجالات، لم يسبق له أن اشتغل في أي منها، ولا بالأحرى له شركة ناجحة ورائدة في السوق المغربية أن ينقل “خبراته” للآخر؟ أي خبرات هذه التي سينقلها؟

يشعر المرء بأن شيئا ما ليس على ما يرام، وهو يرى العناوين الجذابة التي تصاغ لتلك التكوينات  والأهداف “الطموحة جدا” التي تسطر لها (كيف تؤسس مقاولة ناجحة، كيف تكسب معركة المنافسة..)، ثم يقيس ذلك لإنجازات الشخص الذي سيقدم هذا التكوين. لو كان هذا الشخص يعلم فعلا أسرار نجاح المقاولات ويفك ألغاز الابتكار والإبداع، لأسس هو نفسه شركة كبرى وناجحة ورائدة في المجال الذي يدعي العلم فيه. من الطبيعي أن يقوم أهل الاختصاص بحكم العمل (مؤسس شركة، رئيسة قسم تسويق، مسؤولة تواصل بقطاع ما، رئيسة قسم المشاريع، رئيس قسم التخطيط والاستراتجية) بنقل ما اكتسبوه وتعلّموه إلى غيرهم، لكن من غير الطبيعي أن يتخصص أشخاص لم يقضوا ولو ساعة واحدة في تدبير مقاولة أو تحرير خطة اتصال للخروج من أزمة داهمة في تقديم هذه التكوينات.

يشعر المرء أن الأمور غير طبيعية، أيضا، حين تظهر علامات إسهال تكويني على بعض المكوّنين سواء من المختصين أو من غير المختصين. ويقف على بوادر الاحتيال حين يعمد أحدهم أو إحداهن إلى تسويق هذه التكوينات لمن يحتاجها ومن لا يحتاجها على حد سواء. تحاول الإعلانات التي تقدم لتلك التكوينات أن تظهر أن العالم بأسره بحاجة إلى أن يعرف أسرار “التواصل الفعّال” أو “ريادة الأعمال” أو “تنظيم سلاسل الإنتاج” أو غيرها، وهذا أمر غير صحيح.

التكوين المستمر يكاد يكون فرض عين على كل إنسان عامل في أي مجال ليطور قدراته ويوسع آفاقه المهنية. عليه فقط، أن يحدد بدقة أي تكوين يُناسب حاجاته، وأي مكوّن قادر بالفعل على مده بمعلومات جديدة وأساليب لم يعهدها من قبل في تدبير قطاع أو مجال ما. على المقاولات العمومية والخاصة، أيضا، أن ترفع المستوى بالحرص على جودة المؤسسات التكوينية التي تتعامل معها، وعلى سمعتها في المجال الأكاديمي والعملي. لا يمكن التعاقد مع كل من هب ودب لتقديم تكوين. يجب، كذلك، منع اللفظية في التكوينات. واللفظية هي غلبة اللفظ على المعنى. يجب وقف البرنامج التكويني إن ظهرت فيه أعراض اللفظية من كثرة الكلمات والفقرات والجمل والخطاطات والنصوص مع ضعف المعنى.

البعض يحاول إدخال هذه التكوينات في ما قد نُسميه “التنمية الذاتية المهنية”، أي “التنمية الذاتية”، مضافا إليها التكوين في مهن محددة، وهذا التوسيع لا معنى له. فالذي يجعل بعض وجوه التنمية الذاتية البارزين محل تأثير هو اشتغالهم بهذا المجال وحده ودخولهم فيه على وجه الاختصاص، فيكون تكوينهم فيه من جنس تكوين المشتغل المختص في مجال اختصاصه، وإلا فالتنمية الذاتية اختصاص غير علمي، أي يمكن لغير المختص فيه الدخول فيه من بعض الأوجه فيما لا يمكن للمشتغل به الدخول في اختصاص غيره. فقد يستطيع، مثلا، طبيب جرّاح أو مقاول أو مهندس سرد تجربته في كيفية تنظيم الوقت والجدية والنجاح في العمل والحرص على التكوين المتواصل (وهي تدخل في التنمية الذاتية)، فيما لا يستطيع مدرب في التنمية الذاتية تقديم تجربته في جراحة القلب والشرايين أو الهندسة المعمارية أو فتح الشركات وتسجيلها بالبورصة.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.