دفنا الماضي..

19/12/2018 - 15:41
دفنا الماضي..

في 1994 خطب الحسن الثاني مستعملا عبارة: « طي صفحة الماضي »، معلنا عفوه عن « كل » المعتقلين السياسيين، مستثنيا من سماهم بالمتورطين في قضايا « الدم »، والذين ينازعون في مغربية الصحراء، لكن التاريخ بمكره كان يرفض منهج « طي الصفحات »، وكلما ظننا أن صفحة ما تم طيها بالتوافق أو التواطؤ، بالتراضي أو التغاضي، إلا وتعود إلى الظهور بشكل مفاجئ أو بفعل فاعل، بنبل نية الكشف عن الحقيقة، أو بخبث إعادة التدوير بنية خلط الأوراق، لقد كان منهج « دفن الماضي » معطوبا لأن حفار القبور لم يشأ الدخول في عطالة، كان الخلل أن « طي الصفحات » كان يستلزم قراءتها قبل طيها.

في تلك السنة عانق الحرية مجموعة كبيرة من المعتقلين السياسيين، كان من بينهم نوبير الأموي، نوبير كان ضحية لتناوب مجهض، فأصبح بعد خطاب « طي الصفحة » جزءا من ترتيبات تناوب مقبل، كان يطبخ على نار تسويات انتقال العرش عوض الانتقال الديمقراطي. كان رفاق اليوسفي المطوقون بقسم « لا مصالحة مع القصر، حتى كشف الحقيقة حول اختفاء المهدي » يحتاجون إلى « تنازلات » من الحسن الثاني يقنعون بها القواعد، ليكون دخولهم « القصر » شرعيا دون معرفة مصير جثة « المهدي »، فكان الإفراج عن نوبير وتعديلات جزئية في الدستور وقسم مُبهم على القرآن.. ومع الوقت، لم تعد مقرات الاتحاد الاشتراكي يصدح فيها شعار: « اسمع اسمع يا القصر.. المهدي ما عندو قبر »، فيما ظل شعار « مجرمون مجرمون.. قتلة بنجلون »، محتفظا بـ »راهنيته » حسب المطلوب من الاتحاد الاشتراكي المنفصل عن القوات الشعبية.

في تلك السنة، لم يفرج عن المعتقلين القاعديين، ولا عن المعتقلين الإسلاميين الذين تم « اصطيادهم » بعد توريطهم في أحداث عنف طلابي كان يخضع رياضيا لمعادلة صفرية.. وكان سهلا على المدرسة « البصرية » أن تعمل على تحييد الجامعة التي كانت لاتزال مزعجة وقتذاك من ترتيبات المرحلة.. كان الرفاق الحائرون بعد سقوط الاتحاد السوفياتي والإخوان « السكارى » بنشوة تصاعد مظاهر التدين في المجتمع المترافقة مع حرب الخليج، على طرفي نقيض، كانت « الضدية » بما هي قرينة الرغبة في تدمير المخالف هي التي تحدد الأطر والسيناريوهات، لا « الغيرية » التي يقودها « الاختلاف »، كانت عبارة سارتر « الآخر هو الجحيم » لها الكلمة الفصل في تكوين « الجملة » لتكون مفيدة في « الحسم » بنوعيه الثوري والجهادي، أما صرخة جيل دولوز « الآخر هو النحن »، فلم يكن لها محل من الإعراب. ولأن « الرفاق » كانوا في بدايات الانفصال عن إمكان « حرب التحرير الشعبية » وتأجيل يوتوبيا « ديكتاتورية البروليتاريا »، ومحاولة هضم القبول القسري بمفردات الديمقراطية الليبيرالية والانخراط في الموجة العالمية للنضال الحقوقي الذي استعاض به طيف كبير من اليسار الثوري عن « الثورة » التي بدأت تبتعد.. ولأن « الأخوان » كانوا متذبذبين، لا إلى هؤلاء ولا إلى أولئك، فهم قد دشنوا للتو مصالحات خجولة وقتذاك مع الديمقراطية (آليات لا فلسفة، تكتيكا لا مبدأ)، دون التخلي عن أحلام « الخلافة الإسلامية » المأمولة. كانت شرارة واحدة كافية لتشعل حقل المواجهات الدامية، التي كان يغذيها مهندسو ترتيب المرحلة، سواء بالأوامر أو بغض البصر.

لم يكن زمن « الرفاق » و »الإخوان » ليستوعب نقاشات وصلتنا متأخرة عن تدبير الفضاء العمومي بالمعنى « الهابرماسي »، ولا عن فلسفة الغيرية (سواء غيرية أخلاقية كما عند « ليفيناس » افتقدها الإسلاميون، أو غيرية الاختلاف عند « دولوز »/ »الخطيبي » مر أمامها « الرفاق » لا مبالين »)، وحيث لم تسعف عبارة « ليفيناس/دولوز »، فقد أسعفت عبارة « السرديات الكبرى » لـ »ليوتار » الفريقين في التعبئة والتحريض، سردية تحصين أوطم من المد الظلامي الزاحف، لاستئصال شأفة « القاعديين » من الجامعة، في مقابل سردية تطهير الجامعة والمجتمع من « الإلحاد الشيوعي »، سردية الفصائل التاريخية المؤمنة بتقدمية النقابة الطلابية شرطا لازبا لاكتساب شرعية الوجود في الساحة (الشرعية التاريخية)، في مقابل سردية انتزاع الحق في العمل من داخل « أوطم » (الذي كان يعيش حظرا عمليا) ولو بالقوة (الشرعية النضالية)..

كان العنف متبادلا، الفرق لم يكن في النوع (السيوف والسلاسل، لجان اليقظة..)، بل في الدرجة، فقد كان الإسلاميون يتوفرون على خزان احتياطي من « جنود » النصرة والإسناد خارج الجامعة..

في المحصلة، لم يدفن النظام الماضي، بل يستدعيه كلما كانت الحاجة ماسة إليه لإرباك المشهد، ولم يطو « الرفاق » و »الإخوان » الصفحة، ولم يقرؤوها للأسف…

شارك المقال