الريف لمن يحرثه

20/12/2018 - 12:42
الريف لمن يحرثه

قبل عشر سنوات، كان الريف، من الوجهة السياسية، مزرعة مفتوحة دون راع، لم يكن هناك شيء مضمون لأي أحد. كنّا نقبل بصدر رحب أن يكون حزب كالتقدم والاشتراكية هو من يسير الجماعة الرئيسة (الحسيمة) دون أن يكون لديه موطئ قدم في أي مكان آخر هناك. كما كان بمقدورنا أن نتجاهل التغييرات التي يجريها المنتخبون المحليون على ألوان قمصانهم السياسية دون أن نشعر بالقلق. كانت الأهمية تولى للأشخاص لا للهيئات. وكان يمكن حزبا صغيرا مثل العهد أن يحصد مقاعد هنا وهناك، دون أن يمثل ذلك مشكلة كبيرة.

ولسنوات طويلة، كان الريف يشكل وجهه السياسي الخارجي دون مبالاة بالتيارات التحتية. كان لكل حزب قطعة من الكعكة، وبينما كان حزب الاستقلال ملفوظاً على يمينها، كان الإسلاميون بالكاد يعثرون على مكان في يسارها. لكنهم جميعا، في نهاية المطاف، كانوا ينالون بعضا من النصيب.

وكأنها وصفة مجربة، كانت النتائج جيدة، فطيلة عشرين عاما، لم يحدث بالريف أي شرخ. فجأة، قرر أحدهم أن يغير هذه الوصفة، وبدل أن يترك الكعكة لجميع المتحلقين حولها، بمن فيهم الطفيليون، خطط أن يتناولها وحده.

هذا الجشع اسمه حزب الأصالة والمعاصرة، وقد حول، كما يجب، حلا بسيطا لتنظيم الأمور إلى مشكلة مكلفة. القصة معروفة، كما كانت النتائج كارثية. والرجال الذين قادوا أعمال الاستئصال هذه بكل العدوانية التي لا يمكن غفرانها، بالكاد نالوا جزاءهم.

لكن، هل يعود الريف إلى ما كان عليه قبل 2009؟ ثمة طرق ملتوية للحصول على النتائج القديمة، ليس «البام» واحدا منها دون شك. لقد تعززت الفكرة القائلة إن هذا الكيان يجب اجتثاثه من الريف كليا إن كنّا نحاول إقرار مصالحة ناعمة. الأشخاص الذين كانوا ضعيفي الجودة، قبل تدبير عملية سرقتهم من أحزابهم، بطريقة أو بأخرى، ينبغي أن يقدموا الحساب على ما فعلوه وهم يتصرفون كرجال أقوياء من عهد الغرب المتوحش. وكشف الحساب المطلوب ينبغي أن يعرض بشكل ينم عن شعور بالذنب والندامة، وليس بطريقة تخلو من أي عاطفة، وكأننا بصدد تقييم مرفق عمومي من لدن هيئة رقابة مرنة.

في تاريخ الريف، هناك مكيدتان سياسيتان عرضتا أهاليه لطغيان غاشم؛ تلك التي شارك حزب الاستقلال في تغطيتها، والأخرى التي أرغم نخبتها على القبول بحزب الأصالة والمعاصرة. بين المكيدتين عقود طويلة من الزمن، لكنهما تتشابهان تقريبا في كل شيء.

حزب الاستقلال عانى كثيرا بسبب الصورة التي رُسمت حول دوره في قمع تمرد صغير في الخمسينيات، ورغبته الشديدة آنذاك في تلوين الريف بصباغة حزبية واحدة. ومن الطبيعي ألا يكون لديه موطئ قدم في الريف، باستثناء منطقة تاركيست، حيث كان موقع السجن البغيض الذي كان يُحشر المتمردون كما الأهالي داخله.

لم يعترف حزب الاستقلال بأي خطيئة، فهو متمسك بعقيدته المبنية على التكبر، تاركا النسيان يعطي مفعوله. لكن، ماذا يمكنك أن تفعل إزاء شخصية صلبة عصية على الإصابة بفقدان الذاكرة؟ ستعول حتما على أن يقوم أحد آخر غيرك بخطأ أسوأ مما فعلته.

منح حزب الأصالة والمعاصرة هذه الفرصة لحزب الاستقلال في الريف. لذلك، ليس مستغربا ألا يتورع أطر هذا الحزب عن الإيحاء بمقدرتهم على قبول شكل من الاعتراف الباهت بأخطاء ماضية. بالطبع، هذه طريقة غير عملية في تصحيح التاريخ وآلامه، لكنها، مع ذلك، خطوة ذكية لدفع الخصم أكثر إلى الركن الضيق.

لكن الخصم لم يندحر تماما حتى الآن؛ فهو مازال يحاول أن يستمد بعض القوة لكي يستطيع المشي مجددا. هذه مهمة مستحيلة هناك، لكن الأفكار البارعة لا تنضب.

وأن تكون بارعا ليس معناه أن تكون مقنعا بالضرورة، فحزب الأصالة والمعاصرة بالريف، وهو يترنح تحت الضربات، كما هو حاله في المركز أيضا، قدم مبادرة مصالحة لا يقبلها سوى أولئك الذين ليس في مقدورهم الدفاع عن أنفسهم. إن حشد الدموع في العين بطرق اصطناعية، ثم دفعها إلى الانهمار مرة واحدة، وكأننا إزاء موقف درامي تنبع مشاعره من القلب، لا يمكن تصديقه، وهو يصدر عن الأشخاص أنفسهم الذين دفعوا، في الماضي، رجالا آخرين إلى البكاء بحرقة.

المصالحة الوحيدة التي يمكن حزب «البام» أن يقدمها هو أن يعتذر عما فعله في الريف. ولا حاجة إلى التذكير بأننا لا تنقصنا الوعود، لأن حزب الاستقلال قد أثقل الكاهل بها دون أن يرى أحد نتيجة حقيقية.

ولعمري، إن الكثير من أطره المنتخبين يتطلعون إلى الموعد المقبل للاقتراع لكي يُودِّعوا هذا الجسد المثخن بالجراح. إن حجم الاستهجان الذي يتلقونه من الأهالي هناك أقسى مما يمكن تحمله. سيُصبِح «البام» طبيعيا في الريف يوم يصبح ممكنا بالكاد التفريق بينه وبين حزب العهد الديمقراطي.

المصالحة في الريف ليست شأنا حزبيا، ويجب ألا تكون كذلك. إن الجرس الذي يعلن نهاية دور الأدوات، التي تُستعمل لوظائف «قذرة» قبل التخلي عنها، قد رن الآن.

شارك المقال