هل نحتاج إلى التغطية على المعضلة؟

21 ديسمبر 2018 - 14:21

لن أتوقف كثيرا عند المعطيات التي كشف عنها بنك المغرب حول احتياط العملة الصعبة والعجز والمديونية، وإن كانت لها دلالتها الرقمية والاقتصادية والسياسية، ولن أتوقف، أيضا، عند تصريح والي بنك المغرب المفاجئ، والذي يعتبر فيه بأن المغرب لايزال رهينا لأزمة 2008. فقط، ما يهمني هي القضايا الاستراتيجية التي لها علاقة بالرؤية.

في العشر سنوات الأخيرة، استثمر المغرب في تعميم التمدرس، وكانت النتيجة أن تضاعف بشكل كبير عدد الطلبة، ومن ثمة خريجي الجامعات من حملة الشواهد.

في العشر سنوات الأخيرة، أعطت الدولة فرصة كبيرة للقطاع الخاص من أجل إعادة هيكلة ذاته وتقوية قدرته التنافسية، فمنحته سياسة الأوراش الكبرى فضاء واسعا للتنافس والاستثمار، ثم اتجهت الدولة إلى إفريقيا مرة أخرى لمساعدة هذا القطاع على الحياة والتمدد.

وطوال هذه المدة، بقيت رؤية الدولة المالية متأرجحة بين تقوية الاستثمار لرفع نسب النمو، والتحكم في التوازنات المالية، مع استهداف محدود للجانب الاجتماعي. الحصيلة في المستويين لم تكن متوافقة، فلولا نزيف التقاعد الذي أصاب الوظيفة العمومية خلال السنوات الثلاث الأخيرة، وهو ما ينتظر أن يتمدد قليلا لبضع سنوات، لكان الوضع أعقد، فقد امتص مدخل التعاقد جزءا مهما من الخريجين وقلص قليلا من المشكلة، أما حصيلة سياسات الأوراش، فقد تم الاعتراف رسميا بأن النموذج التنموي برمته قد بلغ مداه، كما تم الإعلان بمرارة عن محدودية الأثر الاجتماعي لهذه السياسات.

الدولة تستشعر بقوة هذه المعضلة، وتسابق الزمن من أجل مواجهة ثلاثة تحديات، تنسيق البرامج الاجتماعية وإعادة هيكلتها، وإعادة بلورة رؤية للتكوين يكون من مخرجاتها مساعدة القطاع الخاص على الاضطلاع بدوره في امتصاص تزايد عدد الخريجين، ثم تحدي منع تحول هذه المشكلة إلى تعبيرات احتجاجية تمس الاستقرار السياسي.

صحيح أن الدولة تبحث، أيضا، عن تجديد نموذجها التنموي، لكن في المحصلة عينها، الاستراتيجية على مواجهة هذه المعضلة الكبيرة.

لا نريد الخوض في قضية الرؤية، وهل غاب الاستشراف لحظة توسل سياسات تربوية استراتيجية من قبيل تعميم التمدرس، أم لم تحضر تدابير الاحتياط ومواجهة المخاطر في حال فشل سياسات أخرى اقتصادية من قبيل الأوراش الكبرى، لكن ما يهم بدرجة أكبر، هو تدبير هذا الاحتياط الضخم من الخريجين الذي يزداد كل سنة دون أن تكون لنا القدرة على استيعابه.

المعضلة في وجهها الآخر، أن هناك خصاصا مهولا في الموارد البشرية في أكثر من قطاع، لا سيما القطاعات المرتبطة بتثمين الرأسمال البشري، لكن ملأ الخصاص يواجه بإكراهات الميزانية، وتضخم الكتلة الأجرية.

والمعضلة في وجهها الثالث، أن هذا الاحتياطي الضخم ليس جامدا ينتظر مبادرات الدولة، فهو يسعى بكل الوسائل إلى تدبير أزمته من خلال الهجرة سواء بطريقة شرعية أو غير شرعية، وهو ما يطرح على الدولة تحديين، تضييع رصيد الاستثمار في الرأسمال البشري واستفادة دول أخرى منه، وتحدي الالتزامات الدولية بشأن الهجرة.

التقارير الدولية، أو على الأقل الإسبانية منها، تفيد بتعاظم نسبة الهجرة في السنوات القليلة الماضية، وبشكل أخص سنة 2018.

لا شك أن اعتبارات السياسة تدخل بعض هذه التقارير، لكن، مهما تم التعرض لها بالنقد، فالحقيقة لا يمكن تغطيتها، وهي أن العجز عن حل مشكلة الخريجين سيكون من مخرجاته البحث عن الهجرة وتعريض التزامات المغرب لبعض الاختلال.

الدولة تعاني خصاصا في الموارد البشرية ولا تستطيع أن توظف، والدولة تنفق ميزانيات ضخمة في الاستثمار، والقطاع الخاص عاجز عن استيعاب هذا الاحتياطي الضخم،  هل السؤال هو كيف  نبحث عن خيارات إدماج هذا الاحتياطي؟ أم السؤال هو كيف نبحث عن خيارات منع حراكه؟

الدولة تبحث عن الحل مؤقتا في رؤية التكوين التي فشلت الحكومة، أو فشل وزير التربية الوطنية، لحد الآن في إخراجها رغم الزمن المتاح له، وتبحث بشكل استراتيجي في تعديل النموذج التنموي.

حصيلة تغيير رؤية التكوين سيكون لها مفعول بدون شك، لكنه سيكون مؤقتا، أما تعديل النموذج التنموي، ففضلا عن حاجته إلى بعض الوقت للتبلور والصياغة، فإنه سيصطدم بالسياسة، أي بالوضع الاحتكاري، الذي يؤسس له تدخل السياسة في الاقتصاد، ذلك الوضع الدهري الذي يمنع  ترتيب الأثر الاجتماعي عن الحراك الاقتصادي الذي تستثمر فيه الدولة.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.