الوزير والقاضي

25 ديسمبر 2018 - 13:56

“اللي ضربت يديه ما يبكي”. مثل مغربي

تداولت الصحف مؤخرا صراعا علنيا وكأنه خفي بين أطراف تنتمي إلى سلطتين مختلفتين، تنفيذية وقضائية.

وإذا كنت لا أستطيع من موقعي أن أقيم مضمون وخبايا هذا الخلاف، فإنني أرى فيه نوعا من الانحراف عن المبادئ الدستورية التي تؤطر العلاقة بين السلطتين، ونوعا من الانتقائية السياسية، حيث نمدح أحكام القضاء عندما همّت الريف، وننتقده اليوم. فهل الوزير الذي كان يصول ويجول في وزارة كان لديها ما عليها، وكان مترنحا وهو يدعو إلى استقلالية القضاء من خلال استقلالية النيابة العامة، اكتشف اليوم أشياء بدت له أنه لم يحسب لها حسابا فيما مضى، بينما كانت حاضرة حينما كان يقرر؟

ولأنه كان المهندس الأول والأخير في هذه الهندسة القضائية، فما عليه اليوم، سوى أن يتحمل نتائج قراراته التشريعية السابقة، سواء أكانت تُجارِيه أو كانت لا تلقى رضاه، وليس بناء مواقف من القضاء تتحدد بناء على الموقع أو المصلحة، بل هي خط مستقيم ناظم لمواقف سياسية من حقه أن يتخذها تجاه المؤسسة ككل وبصورة دائمة.

وفي المقابل كان رد فعل بعض من عناصر القضاء عنيفا، وكأن القضاء مقدس ولا يجوز انتقاد أحكامه ومساطره، في حين أن القضاء ممارسة بشرية عمومية مثلها مثل غيرها تحتمل الخطأ وتحتمل الصواب، وبالتالي قراراتها تستوجب الاحترام وليس القداسة.

قد نعبر عن رأي مخالف لرأي السياسي وهذا طبيعي جدا، ولكن ذلك لا يحتاج إلى عدوانية لغوية أو تهديدات مسطرية، فإدارة الدعوى العمومية لا تعني ملكيتها ولا تغير عذريتها، أو حتى التهديد باستعمالها لأنها أمانة وليست وسيلة قمع.

لذلك قد تكون سلطة الاتهام أخطأت لقرار ما، أو قد أصابت حسب تصورها، وأنا هنا لا أعبر عن موقف شخصي، فهذا خلاف قانوني سنرى التراكم القضائي كيف سيحكم فيه، ولكن ما يخيفنا فعلا، هو هذا التراشق الموبوء بين سلطتين دستوريتين.

فالوزير الذي أطلق العنان للغة كان يجب عليه أن يرتقي، وعلى القضاة أن لا يحولوا القرارات القضائية إلى قرارات مقدسة لا يجوز مناقشتها، أو حتى نقذها، لأن الديمقراطية تقتضي أن نختلف مع الآخر ونعبر عن ذلك جهرا.

ثم إن الوزير والحكومة عموما تملك الأغلبية، وإذا شعرت في لحظة ما أنها أخطأت في اختياراتها، ما عليها سوى أن تقترح تشريعا جديدا ليعيد الأمور إلى نصابها حسب رأيها.

لذلك فنحن لا نعطي دروسا في الحوار بين سلطتين، ولكن نسجل أنه كان حوارا مثيرا للاشمئزاز، لوح فيه الوزير بورقة الضغط السياسي، والقضاة لوحوا بورقة استعمال الدعوى العمومية لإسكاته، في حين كنت أتمنى أن نقيم نقاشا قانونيا حول هذا الموضوع، باعتباره موضوعا لا يهم شخصا بعينه، بل هو توجه قانوني له انعكاس على اختياراتنا القانونية والحقوقية، لا سيما ونحن مقبلون على إعادة النظر تشريعيا في القانون الجنائي والمسطرة الجنائية، فعلينا استحضار كل هذه القضايا عند التشريع، وسنرى حينها، هل سيكون نواب الوزير والحكومة في مستوى مهامهم؟ أم إنهم سيخضعون لقرارات حزبية للتنازل عن دورهم التشريعي ومسؤوليتهم أمام ضمائرهم؟

لذلك يحز في النفس كثيرا هذا النقاش، وأقول للطرفين، إن القاضي النزيه لا تثيره ولا ترهبه تصريحات الوزراء أو السياسيين، والسياسي المقتنع بمواقفه لا يجعله سحر النضال والمواقف محتقرا لأي تهديد باستعمال لغة المتابعة أو الاعتقال. أما والحالة هذه،  فالدستور الذي من المفروض أن ينظم العلاقة بين مثل هاتين السلطتين، يبدو أنه أصبح تائها بين ما نريد وبين ما هو واقع.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

رضوان منذ 3 سنوات

إليك يا سي الوهبي اشداك تمشي الزين و نتا....