بنجلون: موجة الشعبوية تخيفني..وأتمنى ألا يتبقى أي شئ من سنوات الرصاص

30 ديسمبر 2018 - 08:01

في هذا الحوار، يوضح الأديب المغربي الطاهر بنجلون كيف كان المغرب في عهد الحسن الثاني وما بلغه مع الملك محمد السادس، علاوة على التطورات الأخيرة التي يشهدها العالم، بدءا بالشعبوية وانتهاء إلى أصحاب «السترات الصفر» الذين يهددون «عرش» ماكرون. 

طاهر بنجلون (فاس، 1944)، واحد من كبار الكتاب في العالم الإسلامي، رغم أنه لا يكتب بلغة القرآن، بل بالفرنسية التي منحته الكثير من الجوائز مثل «كونغور» عن روايته «ليلة القدر»، وهي الرواية التي جعلت اسمه يتردد في العديد من المناسبات بين الأسماء المرشحة للفوز بجائزة نوبل للآداب. في كتابه الأخير «العقاب» عن دار النشر «Cabaret Voltaire»، يروي بضمير المتكلم «سنوات الرصاص» في عهد الملك الراحل الحسن الثاني.

في هذا الكتاب، يحكي بنجلون كيف أنه اعتقل في معسكر تابع للجيش لمدة 19 شهرا في ظروف سيئة وأقرب إلى التعذيب، لا لشيء إلا لأنه شارك في مظاهرة سلمية للطلبة. وهو الحدث الذي أثر فيه، وكان مصدر إلهامه الإبداعي.

ما الذي دفعك اليوم إلى كتابة روايتك الأخيرة «العقاب»، لا سيما أن أحداثها تعود إلى ما قبل 50 سنة، زمن ما يعرف بسنوات الرصاص؟

في البداية رغبت في نسيان كل شيء. بعدها جاءت الندوب، كالأرق، ومشاكل أخرى مثل الأكل والعلاقة مع الزمن… لكن في ما بعد عدت إلى بلدي، واكتشفت أنني أجهل الوضع الجديد مقابل جهل الشباب ما عشناه في الستينيات. كل هذا حفزني. من جهة أخرى، يجب الاعتراف بأن كل كاتب يريد حكي تجاربه الأكثر أهمية، وفيما يخصني شخصيا، حكي 19 شهرا قضيتها رهن الاعتقال.

ماذا تبقى من مغرب سنوات الجمر والرصاص؟

أتمنى ألا يتبقى أي شيء، لأنها كانت حقبة ساد فيها القمع والتعسف والألم. فحتى المعارضة في ذلك الإبان كانت تعتبر جريمة. لا صوت كان يعلو على صوت الخوف. في المقابل، اليوم يمكن التعبير عن الرأي. كما أن البنيات النحتية عرفت تطورا هائلا. الحداثة في الطريق، إلى جانب أن وضعية المرأة تحسنت.

لكن كل شيء في المغرب ليس إيجابيا. ماذا عن الإرهاب؟

هذا هو الشيء السلبي. الإسلاموية (Islamisme) هي من نوع من الانحراف الديني، والذي ينتشر اليوم بين الشباب بشكل مقلق. وبالتأكيد الشيء المحافظ عليه في المغرب هو أهمية وقوة المؤسسة الأمنية. وهذا منطقي لأنها المؤسسة المكلفة بالبحث ومطاردة الإرهابيين، إلى درجة أنه لا يمر أسبوع دون تفكيك خلية أو اعتقال مشتبه فيه. أنه تهديد قائم، مأساة كان بالإمكان تجنبها.

كيف كان بالإمكان تجنبها؟

لفهم ذلك، يجب العودة إلى عهد الملك الراحل الحسن الثاني. بالضبط إلى الفترة التي منع فيها تدريس الفلسفة، حيث عوضوها بالدراسات الإسلامية سنة 1971.

وهل هذا ما دفعك إلى الانتقال للعيش في باريس لمتابعة الدراسة؟

فعلا. إلغاء الفلسفة كان خطأ، والأمر نفسه الذي حدث في بلدان إسلامية أخرى.

عندما يسمع شخص مثلا، من أصول مسلمة، لكنه أوروبي، خبر تنفيذ اعتداء إرهابي كما حدث في المرة الأخيرة باستراسبورغ، ماذا يتبادر إلى ذهنك؟

نفس تفكير وإحساس باقي المثقفين المغاربة والمسلمين في فرنسا، أرى كل فعل إرهابي كعدوان عليّ، شخصيا، وعلى ديني. عدوان فظيع، نظرا إلى تداعياته السلبية على آلاف المسلمين الأبرياء. كما أنه يخلق خلطا كبيرا بين الإرهاب والإسلام والهجرة السرية. شخصيا، كمستغرب ومتشبع بقيم الديمقراطية، أعاني، أيضا، من عدم القدرة على التواصل والتحدث والحوار مع الإسلاميين.

هل بات حتى التواصل مستحيلا؟

نعم. جوهر الإسلاموية، بالضبط، الغياب والرفض الكلي للحوار. لأن الأمر يتعلق بمتعصبين يزعمون أنهم يمتلكون الحقيقة. وهذا يصعب على أمثالي القبول به في مجتمع ينظر إلينا بعين الريبة. صعب جدا. تجدر الإشارة إلى أنه مع بداية أزمة «السترات الصفر»، اتصل بي صديق مصري وقالي لي: «مر شهر دون أن نتحدث عن الإرهاب». بعد ذلك، جاء اعتداء ستراسبورغ.

ومن يتحمل المسؤولية؟

أعتقد أن المسؤولية يتحملها الأمن الفرنسي، لأن تقديراتها غير فعالة، كما أن الأمن يبدو أنه متجاوز كليا. وخير دليل على ذلك إرهابي ستراسبورغ الذي كان معروفا ومسجلا في قائمة المتطرفين المشتبه فيه (S). لقد ارتكبت أخطاء.

أشرت في جوابك إلى أزمة «السترات الصفر»، في نظرك ما خلفية قوة هذه الحركة؟

لفهمها يتوجب العودة إلى الوراء. المسؤولية مشتركة منذ سنوات حكم جاك شيراك وساركوزي وهولاند، والذين لم يقوموا بأي شيء لتخفيف حاجة السواد الأعظم من الفرنسيين. تخيل معي أن ثمانية ملايين فرنسي يعيشون اليوم تحت عتبة الفقر. الرقم كبير جدا في بلد أوروبي. في النهاية ماكرون هو المتهم الأول، لكن الرجل وصل للتو إلى قصر الإليزيه. المشكل في العمق والجوهر هو فشل الأحزاب التقليدية، سواء اليسار كما اليمين. من رحم كل هذا خرجت الشعبوية التي تحولت إلى توجه عام في كل أوربا. واكتشفنا أن أغلب نشطاء «السترات الصفراء» هم من ذوي التوجه اليميني المتطرف أو اليسار الجذري.

وأين يكمن فشل الأحزاب؟

ولوا ظهورهم كليا لمعاناة الناس. وما زاد الطينة بلة والطبل رنة، عزلة النقابات. إلى درجة أن العمال يرون الكثير من المسؤولين الكبار يعيشون في بحبحة. كل هذا عبد الطريق أمام الجبهة الوطنية التي تلجأ إلى تزوير الحقائق حول الهجرة السرية، وهو التزييف الذي ينتهي الناس إلى تصديقه.

ما طبيعة هذا التزييف…؟

يتجسد بالأساس في الترويج لخطاب غزو المهاجرين لأوروبا. لكن الحقيقة هي أن عدد المهاجرين غير النظاميين لم يتغير منذ سنة 1945. لكنهم (المزيفين) يخلطون كل شيء، كما يخلطون بين المهاجرين وأبناء المهاجرين الذي هم، في الواقع، فرنسيون. وما حالة منفذ اعتداء ستراسبورغ عنا ببعيدة. مثلا، تطلب الجبهة الوطنية «ترحيل» كل المتطرفين المسجلين في قائمة «المراقبين». لكن إلى أين سنعيدهم وهم فرنسيون؟

يقال إن الشعبوية تنتشر في أوروبا؟

نعم. ترامب، بكل سوقيته، حرر اليمين المتطرف في العالم برمته. وهذا لديه تأثير كبير على فرنسا.

كيف سيؤثر؟

عندما يقول ترامب إنه سيشيد جدارا في الحدود مع المكسيك، فإن اليمين الفرنسي يتخذه كمرآة للقول: «هل رأيتم؟ وماذا عنا نحن، نترك العالم يخترق حدودنا!». لهذا فالتأثير واضح. رسائل الجبهة الوطنية هذه تؤثر، أيضا، في ماكرون، الذي لولا هذا الضغط ما كان ليرفض استقبال المهاجرين السريين الذين كانوا على متن قارب» أكاريوس»، مثلا، (والذين استقبلتهم إسبانيا).

أنت تعرف جيدا إسبانيا وعلى علم بما أفرزته الانتخابات الجوية الأخيرة في منطقة «أندلسيا». هل تعتقد أنه في النهاية سننتهي إلى ما سبق وأشرت إليه؟

لا. هنا التاريخ مختلف. لم ينسوا الفرانكاوية والحرب الأهلية. الناس هنا أكثر حكمة واحتياطا. أصحاب السترات الصفراء يريدون إعادة الاتصال بالثورة الفرنسية، لاسيما مع سنة 1793، عندما قطعوا رأس لويس الـ15. لهذا طلبوا رأس ماكرون في الاحتجاجات! هناك حقد لا يتخيل. إنه الحنين إلى المقصلة. نعم!

لكنك تتحدث في سياق مجازي، أليس كذلك؟

بلى. رغم وجود قطاع غير موافق على إلغاء عقوبة الإعدام.

هل نعيش زمن التراجعات؟

تخيفني هذه الموجة الكبيرة من الشعبوية، التميزية، التي انطلقت برفض الإسلام، والتي صنعت مجدها بالكراهية تجاه المهاجرين غير النظاميين والإسلام. بلغنا درجة من العبث وصلت معها هذه الكراهية إلى بلدان مثل بولونيا، التي لا وجود لمهاجرين سريين فيها ولا إسلام. قيم اليسار التقليدي، مثل الإنسانية والتضامن والأخوة، تنهار. هذا فظيع وله وقع على أبنائنا. جزء من العدوانيات التي يواجهها هذا العالم، ومن لا يعترف بهذا فهو مجرم.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مواطن منذ 3 سنوات

"من كبار الكتاب في العالم الإسلامي" ؟ الله آ ودي... بلا زيادة ! ماذا قرأت لكتاب أندونيسيا، ماليزيا، تركيا، إيران و اﻵخرين حتى "تسقط" علينا هذه "المعلومة". لا جدال في كون بنجلون من أشهر الكتاب المغاربة لكن و كما يقال "الزيادة من رأس الأحمق"...

bassou منذ 3 سنوات

الديموقراطية متوقفة على الازدهار الاقتصادي و الرفاهية الاجتماعية. فكما أن الفاشية قضت سابقا على الديموقراطية في بعض البلدان ستقضي الشعبوية على مبادئ الديموقراطية في ظل الأزمة المزمنة للرأسمالية و الأنانية المتضخمة بين أفراد المجتمع