مغرب 2019

31/12/2018 - 13:52
مغرب 2019

يستقبل المغاربة عاما جديدا بخليط من المشاعر المتضاربة، بعد نجاح جهة ما، في إرباك وعي أغلبيتهم، بما يقع حولهم، وتشتيت انتباههم وتركيزهم إزاء ما يتم تثبيته أمام أعينهم من قوانين ستحدد مستقبلهم، منذ صدمة الالتفاف على النتائج السياسية لانتخابات السابع من أكتوبر 2016، والتي توسع مجال ارتداداتها، مع ما صاحب معالجة حَراك الريف وجرادة ومختلف المبادرات الاحتجاجية، من اعتقالات ومحاكمات شملت متزعمي الاحتجاجات وصناع رأي مرموقين.

والحقيقة أن توالي السنين، لا ينبغي أن ينسي المغاربة، أن هذه الجهة ما كان لها أن تحقق هذا « النجاح » وبهذه السرعة، دون استغلال هدايا ثمينة، قدمتها لها على طبق من ذهب، جهات أخرى تحصّلت بين يديها معطيات ثمينة وغير مسبوقة، وأهدرتها بشكل غير مفهوم، في وقت كان من المفروض فيه أن توظفها لخلق نوع من التوازن المطلوب والمرغوب لما فيه من مصلحة الدولة أولا، قبل المجتمع، تتعلق هذه المعطيات بنتائج الانتخابات التشريعية، وبتحقق أغلبية برلمانية شبه مستقلة عن مراكز النفوذ الفاعلة.

على كل حال، عام جديد يُقبل، تقول كل الأحداث والمؤشرات، أنه سيكون صعبا على المغرب، بالنظر إلى كثافة الضباب الذي يلف مسار تنافس ومواجهة كبار العالم الضاغط منهم والمؤثر، وبالنظر، كذلك، إلى هشاشة حلقة الربط بين ما تقوم به الدولة في إطار « الالتزامات » الدولية، وبين المجتمع، في ظل تراجع حزب العدالة والتنمية الحائز على الشرعية الانتخابية، عن الدور الذي كان يقوم به في هذا الصدد، وعدم إظهار « الحزب البديل » لأية كفاءة في هذا الصدد كذلك.

وثمة حاجة ملحة إلى فهم السياق الذي تتحرك فيه مختلف الديناميات، ذلك أن العالم يشتغل وفق أجندة أهداف يصعب التصرف فيها محليا، لأنها موضوع اتفاق دولي، ولأنها مرتبطة بمرحلة زمنية محددة، والقصد هنا القرار الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (1/70)، المتعلق بأهداف التنمية المستدامة (2015-2030)، الحامل لشعار: « تحويل عالمنا »، والذي انخرط المغرب في تفعيله، وكان محط إشادة من أنطونيو غوتيريس، الأمين العام للأمم المتحدة، وفق ما جاء في بلاغ للديوان الملكي، عقب الاستقبال الذي حظي به من طرف جلالة الملك بداية دجنبر المنصرم.

وقد قطع المغرب أشواطا مهمة على درب تنفيذ الأجندة المذكورة، طبعا وفق نموذج يلقى متابعة مهمة، فاحتضانه لقمة المناخ « كوب 22 » وقمة الهجرة، إلى جانب مواعيد دولية مرتبطة بالأجندة الأممية، واستفادته من دعم مالي يُدبر في إطار حساب « تحدي الألفية »، ليس اعتباطيا، بالإضافة إلى مسارعته في ملاءمة التشريعات الوطنية ذات الصلة، مع الأهداف السبعة عشر للتنمية المستدامة، سواء من خلال التعديل أو من خلال الإحداث.

وباختصار، فإن المغرب تقدم خطوات كبيرة على سبورة ما يُمسى بالاقتصاد الجزئي، لكنه ما يزال متواضعَ النتائج على سبورة الاقتصاد الكلي، المرتبط بتأثير معطيات متفرقة وقطاعات متباينة ومتداخلة، على الاقتصاد وعلى السياسات العامة للبلاد.

وفي هذا الصدد، وحسب الظاهر مما اتخذته الحكومة من قرارات في اجتماعاتها الأخيرة، ووفق تعليمات جلالة الملك، فإن سنة 2019، ستكون مخصصة لمحوري التعليم والحماية الاجتماعية.

فعلى مستوى قطاع التعليم، ستكون هذه السنة حاسمة في ترسيم علاقته بسوق الشغل، سواء من خلال اعتماد خطة جديدة للتكوين المهني، أو من خلال اعتماد برامج محددة لتحقيق هذه الغاية، وكل ذلك سينصهر في إطار القانون الإطار للتربية والتكوين الجارية دراسته داخل البرلمان.

أما محور الحماية الاجتماعية، فبدوره لم يعد قابلا للتأجيل، وستكون سنة 2019، سنة ترسيم التوجه الجديد للمغرب في هذا المجال، ولن يخرج التوجه عما رسمه المجلس الاقتصادي والاجتماعي في دراسته في الموضوع.

 

محوران على قدر كبير من الأهمية، سيشكلان الموضوعين الرئيسيين للسياسة في المغرب في السنة الجديدة، وسيكون مطلوبا من مختلف النخب مواكبتهما، وإخضاعهما لنقاش عمومي، يشرح أبعاد التحول الذي سيكونان مجالا له، ويوضح انعكاساته السلبية المحتملة، مثل التي تعرفها دول سبقت المغرب في الخضوع له (التحول)، وما حركة « السترات الصفراء » عنا ببعيدة!

تبقى الإشارة في الختام، إلى أن سنة 2019، ستكون سنة انتخابية في عدد من الدول الشبيهة والشقيقة، والشريكة، مثل الجزائر وتونس وموريتانيا وليبيا والسينغال ونيجيريا وتركيا، وكذا انتخابات البرلمان الأوروبي، ومن دون شك، فإن نتائج هذه الانتخابات قد تلقي بظلالها على المغرب، وعليه أن يكون على استعداد، تفاديا لأي انعكاس غير مرغوب فيه.

« سنة سعيدة لكل المغاربة، وكل عام والمغرب بخير ».

شارك المقال