استأثرت حركة السترات الصفراء الاحتجاجية في فرنسا، ومنها إلى عدة دول في أوروبا، بالرأي العام الدولي، وشدت نحوها أنظار عامة المتتبعين، وخصوصا المحللين والخبراء للقضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
انطلقت الحركة من فرنسا، وأبانت عن تناسق كبير، فرغم مشاهد التخريب التي سجلت في عدد من المدن الكبرى وخاصة باريس، كان شكل التوزيع الجغرافي للاحتجاجات عاما، ومنتشرا في جل المقاطعات الفرنسية، في تناسق وانسجام، إذ اعتمدت الحركة على مجموعة من الأشكال التي رمت إلى فرملة حركة السير، بغلق الممرات والطرق الموصلة إلى الطرق السريعة، والمطارات، وأيضا، بعرقلة حركة المرور وسير القطارات. وقد يرى البعض ميزة خاصة لهذه الفورة الاحتجاجية التي تعتبر الأقوى والأعنف في الجمهورية الفرنسية منذ عقود، باعتماد سترات تجذب إليها الأنظار، وفي هذا السياق، لم يكن اختيار ذاك اللون الأصفر الفاقع عشوائيا، فهذه السترات منتشرة ومتوفرة بشكل واسع، كما أنها غير مكلفة، ولها دلالات متعددة، فمن يلبس السترة الصفراء يطلب بشكل واضح من المتجه إليه عدم إغفاله وعدم تجاهله، هذه السترات اعتمدتها فرنسا قانونا قبل حوالي عشر سنوات، إذ فرض في سنة 2008 على جميع سائقي السيارات حمل ستراتهم الصفراء داخل سياراتهم، واستعمالها وقائيا عند الاضطرار إلى الخروج من السيارة لأي سبب اضطراري كان.
في المغرب راح البعض في إطلاق مقارنات بين الحركات الاحتجاجية التي تفجرت في فرنسا، ثم انتشرت في عدة دول مجاورة، والحركات الاحتجاجية التي عرفها المغرب قبل شهور، من حراك الريف شمالا، ومظاهرات جرادة في الشمال الشرقي، وثورة العطش الذي عاشته زاگورة في الصحراء الشرقية. لذلك سيقدم هذا الملف صورة شاملة قدر المستطاع، لإعادة القراءة في الاحتجاجات التي عرفها المغرب وفرنسا، وعند التعرض لذلك يكون الحديث بشكل ما عن مقارنة بين الشمال والجنوب، مادام المغرب ينتمي إلى منطقة مغاربية شهدت حركات احتجاجية في كل من المغرب والجزائر في ولاية ورقلة الجنوبية، وكذلك في تونس في عدة أنحاء من البلاد، وكان القاسم المشترك بين كل الاحتجاجات السابق ذكرها (في أوروبا وشمال إفريقيا)، هو إعلان المحتجين عن نفاذ صبرهم إزاء الغلاء، وأيضا عن التهميش في مناطق غير مركزية، وهنا يتعلق الأمر بدول الجنوب، كما هو حال المملكة المغربية. وستكون المقارنة طويلة إذ أردنا حقا الوقوف على كل هذه النماذج، لذلك سيكون التركيز فقط على الحركات الاحتجاجية التي عرفها المغرب وفرنسا، أما الإشارة إلى الدول السابقة، فقد كان للتذكير أن فوارات الغضب في 2018، لم تقتصر على بلد أو بلدين في شمال إفريقيا وأوروبا، بل عمت الجميع، فظروف الدول المغاربية متشابهة، وبدا الأمر كذلك بين دول الاتحاد الأوروبي، بعدما خرجت الجماهير تحتج في عدة دول بعد تمكن الفرنسيين من تسليط دائرة الضوء على أنفسهم.