في تفكيك التطرف وتحرير الدين

04/01/2019 - 13:41
في تفكيك التطرف وتحرير الدين

تطرح الجريمة البشعة التي استهدفت سائحتين في إمليل، بنواحي مدينة مراكش، أولوية تفكيك التطرف وتحرير الدين، وأقصد هنا ضرورة فهم وتحليل البنية النفسية والذهنية والفكرية للإنسان المتطرف، سواء من خلال دراسة شخصيته أو الأفكار التي يروجها ومصدرها، قبل وضعها على محك النقد والمراجعة. ولا يعني ذلك تجاهل المقاربة الزجرية، أو التقليل من أهميتها، إذ تبقى ضرورية لحماية المجتمع من كل اضطراب يهدد استقراره وتماسكه.

لقد سبق وانخرطت الرابطة المحمدية للعلماء والمندوبية العامة لإدارة السجون والمجلس الوطني لحقوق الإنسان في برنامج مصالحة سنة 2017 مع المحكومين في قضايا الإرهاب. ويهدف البرنامج إلى إعادة التأهيل الديني، والحقوقي، والنفسي، والسوسيومهني، للمحكوم عليهم في قضايا الإرهاب. ورغم أننا لا نتوفر على تقييم لحصيلة هذه التجربة، فإنها لا يمكن أن تخلو من نتائج إيجابية لصالح المستفيدين منها وللدولة كذلك. وقبل أيام، بادرت الرابطة المحمدية للعلماء إلى إطلاق دورة جديدة في مشروع تفكيك التطرف، ومعنى ذلك أنها تعي الحاجة إلى استهداف فئات أوسع، أي كل الذين لهم القابلية للسقوط في براثن التطرف، التي تقود في الغالب إلى التكفير والإرهاب.

إن تحصين الشباب من التطرف هدف مهم في حد ذاته، لكن يبدو لي أن هناك حلقة يجري القفز عليها في كل الخطابات الموجهة لتفكيك التطرف، ذلك أن جل المعتقلين في قضايا الإرهاب ذوو مستوى تعليمي بسيط (ابتدائي أو إعدادي)، فهم يفتقرون إلى آليات الفهم والاستيعاب، وهو عائق يدفع أغلبهم إلى الاعتماد في تلقي الأفكار المتطرفة على المنشورات المعدة بالصوت والصورة. ومع أول احتكاك لهم بتلك المنشورات، يتحولون إلى منتجي شارات التبديع والتجهيل والتكفير، ولا يفلت من ذلك العلماء والدعاة الذين تعول عليهم الدولة في محاربة الفكر المتطرف.

هكذا يصبح الشخص المتطرف يعيش داخل دائرة مغلقة، نفسيا وذهنيا وفكريا، رأس الفتنة فيها شيخ تكفيري يعيش على بُعد آلاف الأميال، ووسطاء ومستهلكون مخدرون بأفكار الشيخ المقدسة، تشد بعضهم بعضا مصالح متبادلة (زواج، تجارة…). وتستعمل مثل هذه المجموعات، التي لا تربطها أحيانا علاقات تنظيمية بجماعات إرهابية في الخارج، نوعين من الحجج؛ المظالم الخارجية ضد الأمة الإسلامية (الاستعمار، فلسطين…)، والاختلالات الداخلية (الفساد، ضعف حكم القانون…)، وهي حجج تستعمل لتبرير الإيديولوجيا، في حين تستعمل هذه الأخيرة لتبرير ممارسة العنف والإرهاب.

وإذا كان تفكيك تلك الحجج ممكن، كما تسعى إلى ذلك الرابطة المحمدية للعلماء وغيرها من المؤسسات والعلماء والمثقفين، حيث يجري تحصين الشباب، خصوصا من أراد الخروج من حلقات التطرف تلك، فإن الأصعب منه هو كسر الدائرة المغلقة للمتطرف قبل تحولها إلى قنبلة معدة للتفجير والإرهاب.

لا شك أن العمل الذي تقوم به الدولة بمختلف مؤسساتها مهم جدا في تفكيك التطرف وزجر المتطرفين، لكن هناك عملا يمكن القيام به بالموازاة مع ذلك؛ أقصد البحث عن طريقة لتشجيع عمل العلماء والدعاة الذين لهم مسافة عن السلطة، دون أن يعني ذلك أنهم ضد الدولة. لقد آن الأوان لأن تتخلى بعض المؤسسات، ومنها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، عن رؤيتها حول الحركات الإسلامية باعتبارها منافسا غير شرعي لمؤسسة إمارة المؤمنين، لأن هذه الرؤية ثبت فشلها مرارا، ولم تفعل شيئا سوى أنها ضيّقت مجال حركة الفقهاء والدعاة والمثقفين الذين لا يقاسمون وزارة الأوقاف رؤيتها لشؤون الدين والتدين، لصالح آخرين وراء الحدود يقذفون ترهاتهم يوميا نحو شباب غير متعلم وغير محصن، فيما كان من الممكن أن يكون لنا فقهاء مغاربة لهم أيضا مواقع إلكترونية وقنوات على «اليوتوب» وصفحات للتواصل الاجتماعي، يسهمون من خلالها في تأطير الشباب وتحصينهم.

على بعض المؤسسات أن تفهم أنها غير قادرة على تأميم الدين، وأنه لا يمكنها ذلك، لأن الأديان لا تؤمم، لكن يمكنها أن تنظم الدين وشؤونه على أساس الحرية، مع قليل من الضبط الإداري والأمني، وليس العكس.

شارك المقال