مصطفى السحيمي: مسألة اللغات رهان سياسي

07 يناير 2019 - 10:21

في هذه الورقة، يقدم أستاذ العلوم السياسية، مصطفى السحيمي، إضاءة عميقة إلى الأبعاد السياسية والاجتماعية لصراع اللغات في المغرب.

في إطار الإصلاح الطموح للنظام التعليمي، والمندرج ضمن رؤية 2015-2030، تشغل مسألة اللغات حيزا مهما، وتفسح المجال لجدالات قوية، توجه فيها الاتهامات إلى هذا الطرف أو ذاك، وحيث تجد الاعتبارات السياسية مكانتها الكاملة. ملاحظة أولية تفرض ذاتها، تتمثل في التساؤل حول اللغة الأساسية في المغرب. الجواب البديهي هو الدارجة، لأنها تسمح بالتواصل بين مختلف الفئات ومكونات المجتمع، وبين مختلف جهات ومناطق البلاد، فهي لغة يمكن الحديث بها وفهمها من طرف الجميع، باستثناء بعض المناطق الناطقة بالأمازيغية والمعزولة، حيث يعتبر سكانها متحدثين بلغة واحدة. باستثناء ذلك، تعد الدارجة هي لغة التجارة، وجميع أشكال المبادلات غير الرسمية والعائلية، أو تلك التي تكون في الشارع العام، بل إنها لغة المحادثات والرسائل القصيرة التي تتبادل إلكترونيا، والتي تكتب بالأحرف اللاتينية. لكن هذه الدارجة تبقى خارج أبواب المدارس، رغم أنها اللغة الأم بالنسبة إلى الكثير من الأطفال، وهو الأمر الذي ينطبق على أطفال المناطق الناطقة بالأمازيغية.

على المستوى اللغوي، كيف يتمظهر الفضاء العام المغربي؟ في دستور يوليوز 2011، وقع تحول كبير من خلال الفصل الخامس، الذي يقول إن اللغة العربية تبقى اللغة الرسمية للدولة، وأن الأمازيغية تعتبر أيضا لغة رسمية للدولة. يجب أن نشير أيضا إلى أن هذا الدستور تطرق إلى باقي التعبيرات اللغوية الموجودة في المغرب، مثل الحسانية، كما يؤكد ضرورة تعلم اللغات الأجنبية الأكثر استخداما في العالم. اللغة العربية تحتفظ، إذن، بمكانة خاصة، فهي لغة مكتوبة، ولغة الخطب الرسمية، وهي التي تمثل القاعدة، ولغة النخبة. إنها اللغة المهيمنة، التي تتمتع، إضافة إلى كل ذلك، بحجة المقدس الديني، باعتبارها لغة القرآن.

لكن الأمازيغية استفادت، بدورها، من التطور الدستوري الذي جعلها لغة رسمية، ما جعلها تعرف دينامية خاصة بعدما بقيت، على مدى قرون، يلفها التجاهل والتوظيف لأغراض إيديولوجية، والخضوع للمزايدات التي تؤدي إلى إضعافها، إن لم نقل اجتثاثها. واجهت الأمازيغية، كذلك، بيئة سياسية ترتبط بتهميش المتحدثين بها، الذين تقدر نسبتهم بنحو ثلاثين إلى أربعين في المائة من مجموع السكان.

إلى جانب اللغة العربية الكلاسيكية والدارجة والأمازيغية، تنبغي الإشارة إلى مسألة اللغة الفرنسية. ففي سياق يتسم بالتعدد الحي والواقعي ودينامية المشهد اللغوي الوطني، تحتل الفرنسية مكانة مهمة، من خلال نسبة 15 في المائة من مجموع السكان الذين يتحدثون بها بشكل جيد، وما يناهز النسبة نفسها من الفرانكفونيين جزئيا. مقابل ذلك، نجد أن الدارجة يستعملها 96 في المائة من السكان، وحوالي 80 في المائة من الساكنة القروية، وذلك حسب معطيات للمندوبية السامية للتخطيط، تضمنتها دراسة أنجزت سنة 2015. أربع لغات، إذن، تتقاسم المشهد العام المغربي، اثنتان لهما صفة دستورية، العربية والأمازيغية، واثنتان لهما وضع اجتماعي وثقافي.

في الحقيقة، ينبغي تسجيل أن اللغة الفرنسية هي لغة الترقي الاجتماعي في المغرب. إنها لغة حاضرة بقوة، في المجال الحضري على الأقل، في أنشطة التجارة والمطاعم والنقل والبنوك والتأمينات والمقاولات متعددة الجنسيات… جميع التكوينات في الشعب الأكثر توظيفا تكون باللغة الفرنسية، كما أن هذه اللغة تحضر في جميع التكوينات لما بعد البكالوريا، في تخصصات التجارة والتدبير والعلوم والهندسة، وفي كليات الطب، وتبقى جامعة الأخوين استثناء في هذا المجال. الفرنسية، إذن، لا تتيح فقط ولوج المعرفة الجامعية والاندماج المهني، بل كذلك الانفتاح على العالم.

الإصلاح الحالي للمنظومة التعليمية، المنبثق عن رؤية 2015-2030، أدى إلى إدخال اللغة الفرنسية ضمن المواد التي تدرس ابتداء من القسم الأول ابتدائي، ولغة للتدريس في الشعب العلمية في مستويات الإعدادي والثانوي. فالمجال السوسيو-اقتصادي والمهني يوظف الفرنسية بشكل كبير لغة للعمل وللتواصل، فيما تحتل اللغة الإنجليزية مكانة في المقاولات المتجهة نحول الأنشطة الدولية. وفي سوق للشغل يتسم بالصعوبة والضيق، يشكل إتقان اللغة الفرنسية، شفويا وكتابيا، أداة مهمة، إن لم نقل ضرورية. وهناك، بالتالي، طلب كبير على هذه اللغة من المجالين الاجتماعي والاقتصادي.

مكانة اللغة الفرنسية في المشهد اللغوي الوطني، اجتماعيا واقتصاديا، ينبغي ألا تنسينا شيئا آخر، هو الوضع المهيمن في الأوساط النخبوية، ووسط الفاعلين السياسيين والعالم الاقتصادي، سواء في المجال العام أو الخاص. فالفرنسية ينظر إليها، في الغالب، باعتبارها عنصرا للتمييز الاقتصادي والاجتماعي، لذلك، تعتبر سببا للهشاشة والتهميش في حق «أبناء الشعب» الفقراء، وفي حق كل من لم يكن لهم حظ الإفلات من الفشل في مجال التحصيل اللغوي، ما يؤدي إلى تحميل مسؤولية التقصير للمدرسة العمومية. هنا يصبح التعليم الخصوصي والمدارس التابعة للبعثات الأجنبية، الفرنسية والأمريكية والإسبانية والبلجيكية… وكلها تقدم خدماتها بمقابل، عنصر تعميق للتفاوتات الاجتماعية. المسألة اللغوية في المغرب، كما في غيره، تواجه، أكثر فأكثر، وضعية جديدة ترتبط باستخدام الأنترنت. فالدارجة تتميز بكونها ذات قابلية كبيرة لتقبّل التطورات المتسارعة، وهي، بالتالي، منفتحة جدا على تقبل التعبيرات الجديدة والآتية من لغات أجنبية، وذلك يعتبر تملّكا وليس استلابا. فالتعبيرات والمستجدات تُأخذ ويعاد تدويرها وبناؤها لتلائم الخصائص الصوتية والمورفولوجية وقواعد اللغة العربية الدارجة، ما ينم عن حيوية كبيرة. فهناك روائيون يجعلون شخوصهم تتحدث باللغة العامية، كما توظف في الأعمال السينمائية والمسرح والمسلسلات التلفزيونية.

وإذا كانت الدارجة تتمتع دائما بحضور في الأغاني الشعبية، مثلها في ذلك مثل الأمازيغية، فإن الأنماط الغنائية الجديدة تدمج اللغتين الفرنسية والإنجليزية في كلماتها. هنا نحن أمام «ثورات» في التجديد، وهو ما يمثل، بالنسبة إلى معتنقي العربية، خلطا غير مقبول.

مع ثورة الأنترنت والهاتف المحمول، نحن، دون أدنى شك، أمام نمط جديد من التواصل، وليس لغة جديدة. هذا الخلط بين اللغة الدارجة ولغات أخرى يبرز بقوة في المحادثات الإلكترونية والرسائل القصيرة. هذه الشفرة الجديدة تحرر التواصل بشأن جميع المواضيع. كما تخلق هذه الموجة نوعا من التواطؤ بين الشباب، عكس اللغة العربية الكلاسيكية. القسم الأكبر من العمليات التواصلية بين مستخدمي الأنترنت يكون عبر الدارجة. والأهم والأكثر تعبيرا في ذلك، هو أن الأمر ينتج شكلا جديدا من الكتابة، تنفلت من القواعد الصارمة لكل من العربية والفرنسية، حيث لا وجود لقواعد موحدة، فيما يجد الحرف اللاتيني نفسه حاضرا بقوة، من أجل إعادة إنتاج أصوات معينة من اللغة العربية.

في المحصلة، الوضعية اللغوية بالمغرب أكثر تعقيدا مما يعتقده البعض. هذا التعقيد لا ينتج فقط عن العامل التاريخي، وواقع الحال اليوم لا يفترض خيارات إيديولوجية وقرارات سياسية فقط، كما ساد عندنا منذ الاستقلال. فالهدف كان طيلة هذه الفترة -ولا بد أن نذكر بذلك- هو جعل اللغة العربية مهيمنة، على اعتبار أنها تحرر الشعب المغربي من ماضيه الاستعماري. هذا الهاجس ارتبط بانشغال آخر، هو السعي إلى جعل كل مواطن يستشعر انتماءه إلى وحدة عربية إسلامية، من خلال المفعول الموحد للغة العربية.

بعد كل هذه المدة، لا شيء من ذلك تحقق، فالتعريب كان له انعكاس كارثي، كما لم نستطع الحد من التنوع اللغوي واختلاف الهويات. وفي خطاب العرش لسنة 2015، قالها الملك بعبارات قوية: «إن إصلاح التعليم ينبغي أن يظل بعيدا عن الأنانية، وعن أي حسابات سياسية ترهن مستقبل الأجيال الصاعدة، بدعوى الحفاظ على الهوية».

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

القعقاع منذ 3 سنوات

المشكل في القولة الملكية اخر المقال!! في فرنسا نجد ارهاب اللغة الواحدة و الوحيدة و في المغرب نجد ارهاب التعدد!!

کامل راسل منذ 3 سنوات

الافتراض الایدولوجی الاساسی الاستبدادی هو تحدید الهویە المغربیە کهویە عروبیە اسلامویە و تجنید الدین و اللغە من اجل ذلک. هذا الاتجاه جاء من الخارج من الایدیولوجیە الناصریە العروبیە اولا ثم من البعثیە القومجیە العروبیە: امة عربیظ واحدة دات رسالە خالدة، ثم بعد الافلاس السیاسی التاریخی لهذە الایدیولوجیە العنصریە ضد الاخر اساسا، حتی فی مصر و عراق و سوریا و لیبیا تشبص المستعربون فی المغرب بالسلفیە الدینیە الاخوانیە و استمرار هیمنە العربیە الکلاسیکیە البعیدە عن التواصل الیومی للناس لفرض اتجاههم العروبی العنصری و طمس الشخصیە و الثقافە الامازیغیە الاصیلە بدعم قطر و اخوان المسلمین.و هدا جانب مهم من النقاش حول الهویە و اللغە.

التالي