البناء الأخضر.. من الإسمنت إلى الخشب

14 يناير 2019 - 06:05

تحكي قصة عن غزالتين، واحدة بنت بيتها بالأغصان فتعرضت لنهاية مأساوية. هبت ريح صغيرة كانت كافية لينهار البيت وينقض عليها ذئب جائع. أما أختها، التي بنت بيتها بالآجُر، فنجت. لم يقو الذئب على الآجر. لعل مسوقا لشركات البناء التي تفضل الآجر والإسمنت والحديد على غيرها من المواد وراء هذه القصة. لكن رغم ذلك، فخيار الغزالة الساذجة التي أحبت صنع بيتها من الخشب هو الخيار الأجدر بالتقليد والأقدر على حماية البيئة.

في العام 2015، اتفق قادة العالم في باريس على تقليص انبعاثات الغازات الدفيئة إلى الصفر في النصف الثاني من القرن. إنها مهمة صعبة وصناعة البناء تزيدها صعوبة. صناعة الإسمنت تفرز لوحدها 6 في المائة من انبعاثات الكاربون. الحديد، الذي يذهب نصفه إلى البناء، يفرز 8 في المائة من هذه الانبعاثات. وإذا أضفت إلى الحساب كل الطاقة التي تذهب إلى الإضاءة وتدفئة وتبريد المنازل والمكاتب، ستصبح بنايات العالم مشكلة بيئية عملاقة.

تحاول حكومات الدول الثرية تشجيع السلوكات الصديقة للبيئة، عبر حث المنعشين العقاريين على تشييد مشاريع تستجيب لمعايير بيئية صارمة. وابتداء من فاتح يناير من العام الجاري، كافة البنايات التابعة للقطاع العمومي بالاتحاد الأوربي، يجب أن تستجيب لمعايير “مستوى الصفر من تبديد الطاقة”. وستطبق هذه المعايير على باقي المباني ابتداء من 2021. وهناك ضغوط على حكومات أخرى خارج الاتحاد الأوربي باتباع سياسة مماثلة.

غير أن هذه المعايير ناقصة. فالمحركات الريحية والألواح الشمسية تبدو جميلة فوق أسطح المباني، لكنها أقل إنتاجية من حقول الطاقتين الريحية والشمسية. كما أن هذه المعايير تحتسب فقط الانبعاثات الصادرة من بناية قائمة، وليس تلك التي انبعثت منه وهو في طور البناء. وهذه الأخيرة تمثل ما بين 30 و60 في المائة من مجموع الغازات المنبعثة من أي بناية خلال رحلة حياتها.

ومن بين الحلول المختلفة لتقليص هذه الآثار الناجمة عن بناء المباني، هناك حل مثير جدا ومهمش جدا في الوقت نفسه: إنه الخشب.

الطاقة اللازمة لإنتاج عارضة خشبية تمثل سدس تلك اللازمة لإنتاج عارضة حديدية من القياس نفسه. ولأن الأشجار تصفي الجو من الكاربون في نموها، المباني الخشبية تساهم في تقليص الانبعاثات بما أنها تخزن الكاربون. حين يتم قطع  شجرة ناضجة، يمكن غرس واحدة مكانها لتعوضها.  وفي حال تدمير هذه المباني يمكن استعمال العوارض الخشبية القديمة والألواح وإعادة تدويرها في بنايات جديدة.

وقد انطلقت اليوم المنافسة لبناء أكبر ناطحة سحاب مصممة بالكامل من الخشب وإن كانت بناية مماثلة لا زالت غير شعبية. كما أن المنافسة الشرسة وضعف الهوامش الربحية لا تشجع المنعشين على الاستثمار في البناء الأخضر.

وفي هذا السياق، بإمكان الحكومات أن تشجع على الاستثمار في هذا المجال عبر تحفيزات على الأقل في البنايات الخاصة بالقطاع العمومي. على المعايير الجديدة الخاصة بالبنايات الصديقة للبيئة أن تحتسب أيضا الانبعاثات التي تحتويها مواد البناء نفسها. وهذا الأمر سيجشع على البناء بالخشب وعلى ابتكار أشكال جديدة في إنتاج مواد أخرى. بريطانيا مثلا قررت منع استعمال الخشب في الواجهات الخارجية للمباني الشاهقة بعد مقتل 72 شخصا في حريق برج غرينفيل بلندن عام 2017. وهذا قرار بلا معنى. برج غرينفيل كان مغطى بالألومينيوم والبلاستيك، وليس الخشب. كما أن الألواح الخشبية الحديثة المستعملة في البناء (cross-laminated timber) تحقق نتائج أفضل في اختبارات الحرائق مقارنة مع العوارض الحديدية. تلك الغزالة التي اختارت بناء بيتها بأغصان الشجر لم تكن غبية، كانت فقط سابقة لزمانها.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي