الأمازيغية تطارد عيدها الوطني

14 يناير 2019 - 14:03

خلد المغاربة وسكان شمال إفريقيا، أمس الأحد، افتتاح السنة الأمازيغية الجديدة 2969، أو ما يسمى «ناير»، في سياق وطني يتسم بتزايد المطالب بجعل هذا اليوم عيدا وطنيا مدفوع الأجر، كما أن هذه السنة تتميز باستمرار تعطيل البعد الدستوري للأمازيغية من خلال تجميد القانونين التنظيميين المرتبطين بها، وهي آخر القوانين التنظيمية التي لم تر النور، إضافة إلى القانون التنظيمي للإضراب. تحقيب السنة الأمازيغية يرتبط بتأصيلين، الأول يربط هذا التحقيب بوقائع سياسية وعسكرية، حيث وصل الملك «شيشانغ» الأمازيغي إلى الحكم في مصر لكي يكون فرعون مصر وحاكمها لسنوات، وبذلك خلد الأمازيغ هذا الحدث الذي حصل سنة 950 قبل الميلاد. الأطروحة الثانية، تتخذ طابعا أسطوريا يرتبط بعلاقة الإنسان الأمازيغي مع الأرض، حيث تقول الأسطورة إن سيدة عجوز لم تشكر السماء على نعمها، فقام «ناير» بأخذ يوم من فبراير، فكان يوما عاصفا خلده الأمازيغ للتحقيب لتاريخهم، وتربية الأجيال على ثقافة إيكولوجية تحافظ وتعترف بخيرات الطبيعة، فكانت السنة الأمازيغية، هي السنة الفلاحية عند المغاربة، وبهذه الصفة كان المغاربة يحتفلون بها بأشكال متعددة، غالبا ما تميزت بأنواع الأكل المختلفة، والتي تسيطر عليها المواد النباتية، وخاصة الكسكس وخليط من القطاني.

بغض النظر عن أي الأطروحتين الأكثر قربا من الحقيقة، فإن السنة الأمازيغية هي واقع ثقافي وحضاري واجتماعي؛ يجسد جزءا من الهوية الوطنية، وجزءا من الهوية المشتركة لشمال إفريقيا كعنصر أساسي، إلى جانب الإسلام السني والمذهب المالكي، ومدرسة الجُنيد في التصوف، والعربية لغة وثقافة وحضارة وهوية، فالمرحلة الحالية في منطقة شمال إفريقيا تعرف تغييرات جوهرية، أبرزها تداعيات ما عرفته من انهيار أنظمة شمولية كانت تكن عداءً مطلقا لكل ما يرتبط بالبعد الأمازيغي في الهوية المغاربية، وهنا نستحضر نظام العقيد معمر القذافي الذي كان يمنع البحث العلمي في تاريخ ليبيا التي تحتضن جزءا كبيرا من التاريخ الأمازيغي والآثار الأمازيغية، إذ تركت الكثير من المدن والمواقع الأثرية عرضة للنهب والتهميش بانتظار تلاشيها الكلي.

اليوم، في المغرب هناك واقع دستوري جديد/قديم،  صالحنا مع جزء أساسي من هوية الوطن من خلال التنصيص الدستوري على الأمازيغية، وعلى الجانب الهوياتي المتعدد للمغرب الذي جاء في تصدير الوثيقة الدستورية، وكذلك التنصيص في الفصل 5 من الباب الأول على أن «الأمازيغية تعد أيضا لغة رسمية للدولة، باعتبارها رصيدا مشتركا لجميع المغاربة، بدون استثناء…»، ولو أن الطابع التعددي للهوية المغربية عرف نوعا من المبالغة أو «التمييع»، فيما تم تضمينه في الدستور…

قبل سنة صدر قرار رئاسي في الجزائر يرسم رأس السنة الأمازيغية عيدا وطنيا مدفوع الأجر، بينما في بلادنا أضحت كل المكتسبات المتعلقة بالأمازيغية معلقة في الفراغ، لا تعليم الأمازيغية تم تعميمه؛ بل نشهد اليوم، تقديم الحكومة لقانون إطار يتعلق بالتربية والتعليم دون الحسم، لا في القانون التنظيمي لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، ولا في للقانون التنظيمي للمجلس الوطني للغات والثقافات الوطنية. باختصار، يمكن القول إن الأمازيغية تتعرض لعملية دفن ممنهجة، ولكل ما تم اعتباره في لحظة من اللحظات مصالحة كبرى مع جزء من الهوية الوطنية.

بالنظر إلى هذا الواقع الوطني والمغاربي، فإنه يمكن القول وإعادة القول مرة أخرى، إن السنة الأمازيغية يجب أن تغادر الطابع الاحتفائي شبه السري أو الخاص وكأن الأمر يتعلق بجماعة سرية، لكي تتحول إلى عيد وطني رسمي تُعطل فيه الإدارة، ويكون فرصة لجميع المغاربة لكي يتعرفوا على جزء من تاريخهم، حتى يكتمل في ذهنهم الجانب التعددي للهوية الذي حرص الدستور على سرد مكوناته بإسهاب، لقد كان من المفترض أن تكون بلادنا سباقة لترسيم السنة الأمازيغية عيدا وطنيا، وتدفع باقي الدول المغاربية لكي يكون هذا العيد إضافة جديدة للهوية المشتركة، وتعزيزا للهوية المغاربية. إن عدم الوضوح والتلاعب بموضوع الهوية الوطنية، وبصفة خاصة ما يتعلق بالأمازيغية، لن تكون له نتائج حميدة على بلادنا، إذ إن فتح الآمال للناس وإطلاق الوعود عندما لا تتحقق، فإنها لا تهدم المصداقية، بل تعزز شعورا جماعيا بـ»الحكرة» والوقوع ضحايا «للخديعة»… وعندما يصادف ذلك مناطق توجد على هامش السياسات العمومية منذ سنوات، وتعاني من أشد وأقسى درجات العزلة والتهميش، فإن ذلك سوف لن يكون سوى تركيبة مثالية لغضب قد لا نعرف حدوده..

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي