الميت نوعان

17 يناير 2019 - 16:44

في العلم، هناك قول مأثور: إذا كان بمستطاعك أن تتخيل شيئا، بمقدورك إذن أن تصنعه. تقود هذه القاعدة آلافالعلماء إلى تطوير النظريات، وتحقيق التقدم في العلوم.

والعلم تقريبا مثل السياسة، حيث يمكن، باستعمال القاعدة نفسها، أن يندفع الأشخاص إلى مسارات لم تكن متخيلةبالنسبة إلى الكثيرين، لكن من الواضح أن المعنيين بها قد وضعوها نصب أعينهم في مرحلة ما من حياتهمالسياسية.

لكن هذه القاعدة في العلم، كما في السياسة، غير مضمونة النتائج دائما. دعونا من حزب العدالة والتنمية، فما فعلهبواسطة قدرته على التخيل يجب ألا ينسينا من يوجدون على الجانب الآخر؛ أي أولئك الذين مازالوا يتخيلون علىالأقل. حكيم بنشماس، الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة، على سبيل المثال، نموذج في الطريقة السيئة التيينتهي بها التخيل عندما لا يكون مسنودا بأي مهارة. في بضعة أشهر، نجحت هذه الشخصية، الموغلة في الغرور،في تدمير الطابع الفلكلوري للمنصب السياسي الموكل إليه. وقد حدث ذلك بشكل علني، ومثير للشفقة. السذجوحدهم من يحتفظون بالقدرة على التصفيق من ورائه، فيما الرجل قد قلمت أظافره جميعها.

بالنسبة إلى الكثير من الأشخاص المطلعين، فإن ما وقع لشخص بنشماس ليس سوى الوجه المقابل للعملة المندثرةلحزبه كله. لم يعد لحزب الأصالة والمعاصرة أي دور رئيس في النقاشات السياسية الجارية، ورغم حجمه المنتفخباعتباره الحزب الأول في المعارضة، فإن أعضاء مكتبه السياسي، الذين يدخلون اجتماعاته بالسبحة في اليد، بالكاديخرجون وهم واثقون من مستقبلهم في اليوم الموالي.

إن المشهد بات عندهم على قدر من الكاريكاتورية، حتى إن الكلمات تعجز عن تحديد حجم السخرية الكامنة داخلهذا الكيان. بنشماس، وقبل أسبوعين، شن هجوما رسميا بواسطة بلاغ صادر عما تبقى من مكتبه السياسي، ضدعضو قيادي آخر هو عبد اللطيف وهبي، لكن الصور الملتقطة هذا الأسبوع أظهرته هو نفسه، في اجتماع آخر، وهويتبادل الابتسامات مع وهبي الجالس بجانبه. الحروب الداخلية التي أججها بنشماس لم تكن سوى نتيجة مباشرةلذلك الشعور بالتكبر وهو يخالج شخصا يُدفع بتربيتة خفيفة على الكتف نحو الهاوية، فيما هو مطمئن إلى تأهب منقذللسيطرة على الموقف.

لقد قضي على «البام» تماما يوم رُمي بإلياس العماري من الباب. هذه إحدى الحقائق الحالية. لم يعد لهذا الحزبأي صك يقدمه للسلطات التي رعته طيلة عشر سنوات. كما ليس لبنشماس ما يعطيه أيضا. كان تعيين الرجل مثلترقية بمعيار الأقدمية في شركة مفلسة. لم يكن للكفاءة أي دور في ذلك، ومن ثمة، ليست هناك ضرورة قصوىللاحتجاج على وصول الحزب إلى يدي أحمد اخشيشن اللتين مازالتا لم تغتسلا بعد من الحبر الذي كتبت به مئاتصفحات تقرير المجلس الأعلى للحسابات حول البرنامج الاستعجالي لإصلاح التعليم. لقد كان اخشيشن يلعب دوماالغميضة وكأنها لعبته المفضلة؛ فقد كان وزيرا في حكومة عباس الفاسي، وعضوا في المكتب السياسي لحزبهالمعارض في الوقت نفسه. لم يشعر هو ولا حزبه يوما بأي حرج، وما كان يجدر بهما ذلك، لأن الأجندة التي كانتبصدد التنفيذ لم تكن تقبل أي شعور بالخجل.

إن بنشماس المفتقر إلى المهارة السياسية، التي ما كان ليسمح له إلياس بامتلاكها على كل حال، قد تحول بسرعة منالقائد الطامح إلى فرض نفسه على الآخرين، إلى القائد الهش الذي بالكاد يبحث عن ملجأ بين قادة حزبه. ما لم يتلَعلى الناس هو بيان تنازل بنشماس عن كل شيء مقابل أن يحتفظ باللقب. لقد أخذت منه الصلاحيات وكأنها وليمةمفترسين. حتى المراهنين على عودة محتملة لإلياس لم يروا أي منظر سار في ما حدث؛ فالطريقة المهينة التي جرتبها إزاحة بنشماس عن كرسيه وسحبه خارجا، لا يمكن أن تكون مجرد انقلاب صغير دبِّر في ليل. تزاح الستارة فيهذه الأثناء عن المشهد الختامي لهذه السلسلة من الوقائع الدرامية في «البام»، دون أن يظهر أن شخصا قد اعترتهرغبة في البكاء، وبنشماس نفسه كان مستعدا لأن يزيحها عن دبابيسها. لكن أريد للستارة أن تزاح بسلاسة أكثر منأبزيمها. ليس هناك من هو أفضل من اخشيشن لفعل ذلك.

لم تعد للدولة أي رغبة في المغامرة، حتى مع الأشخاص الذين يبدون مرونة زائدة. وفي العمليات السياسية الجاريةالآن، وهي إحدى أعمال التخيل أيضا، لم يعد بالمقدور تحمل أي ممانعة.

هل سنشعر بألم خسارة «البام»؟ نعم دون شك، لكنه شعور مغاير للخسران، نكاد نتذوق حلاوته وكأننا نصافح، بكلروح رياضية، الرابحين بعد نهاية مقابلة كرة قدم. إذا ما حدث شيء سيّئ للباموهذا ما سيحدث على كل حال رغماختلاف المشاعر وفقا لوجهات النظرفإننا لن نحس بما يجب على امرئ أن يشعر به في حوادث الفقدان، لأن كل ماسيحدث له ليس سوى تنفيذ مؤلم لاسترداد بضاعة. يذكرني ذلك بفيلم «Repo Men»، وتدور قصته حول قدرةالناس على شراء الأعضاء الحيوية من إحدى الشركات، لكنها تحتفظ بحقها في استرداد الأعضاء من أجسامالأشخاص الذين زرعت فيهم إذا تخلفوا عن تسديد أقساطها. دعونا نتقبل هذه الحقيقة الصعبة؛ إن «البام» مثلأولئك البؤساء الذين تسترد الشركة أعضاءها من أجسامهم، وتتركهم موتى أينما وجدتهم. في نهاية المطاف، لم يكنهناك ظلم، فالميت كان ميتا لو لم تكن هنالك «الشركة».. لقد أطالت فقط في أعمارهم، لكنها بالكاد وهبتهم أملا فيحياة جديدة.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي