والـــي الشمــال يضــع الحكومـــة فــي حــرج!

22 يناير 2019 - 08:00

قدم محمد اليعقوبي، والي جهة طنجة تطوان الحسيمة، تشخيصا تفصيليا لحجم التفاوتات المجالية بين أقاليم أصغر وحدة ترابية من حيث المساحة بين الجهات الـ12 للمملكة، كما استعرض أبرز الإشكالات والتحديات التي تحول دون تحقيق مردودية مستدامة وعائدات أكبر للاستثمار العمومي، مركزا بالخصوص على قطاعات الصحة العمومية والتعليم العالي والطرق، التي قال إنها متدنية جدا على الصعيد الوطني بحسب معدلات مؤشر التنمية البشرية.

الأرقام التي استعرضها محمد اليعقوبي تشير إلى أن جهة طنجة تطوان الحسيمة رصدت لها استثمارات ضخمة خلال العقدين الأخيرين، في إطار برامج تنموية مندمجة همت أربعة محاور أساسية، البنيات التحتية، التنمية البشرية والاجتماعية، القطاعات الإنتاجية، والبيئة، وهو ما مكن الجهة من تحقيق قفزة نوعية جعلتها تتموقع في المرتبة الثالثة بعد أن كانت الخامسة على الصعيد الوطني، بنسبة 10 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي خلال الأربع سنوات الأخيرة، بحسب إحصائيات الفترة ما بين 2012- 2016، كما أن معدل البطالة انخفض إلى 8,2 بالمائة، متحسنا بأقل من نقطتين عن المعدل الوطني.

لكن في المقابل، أكد المسؤول الترابي الأول عن الجهة المتوسطية للمملكة على وجود تفاوتات كبيرة بين الأقاليم، كما حذر من أن الجهة تعرف تطورا ديموغرافيا وسكانيا غير متوازن، إذ من المتوقع أن يتمركز أكثر من 50 في المائة من السكان بعد عشر سنوات تقريبا، أي في أفق 2030 في الشريط الساحلي لمضيق البوغاز الممتد من طنجة إلى مدينة الفنيدق، كما أن المجال الحضري الذي يشكل 5 في المائة من مجموع المساحة، يستقبل 61 في المائة من إجمالي عدد السكان.

خصاص حاد في برامج فك العزلة

تعاني أقاليم وعمالات جهة طنجة تطوان الحسيمة من خصاص حاد في برامج فك العزلة عن ساكنة العالم القروي، وذلك بعجز يبلغ 13 في المائة مقارنة بالمعدل الوطني. وبحسب الوالي محمد اليعقوبي، فإن الاستثمارات التي رصدت لشق الطرق بالجهة خلال السنوات الأخيرة فاقت 25 مليار درهم، وأنها ساهمت في تطور فك العزلة إلى نسبة 66 بالمائة، غير أن جميع أقاليم وعمالات الجهة تبقى أقل بكثير من المعدل الوطني الذي يصل إلى 79 في المائة، حيث يرتفع هذا المعدل بشكل حاد في إقليمي وزان وشفشاون، إذ لا تتجاوز نسبة فك العزلة بهما 37 في المائة.

في سياق متصل، وفي إطار تعقيبه على مداخلات المنتخبين ووالي الجهة الذي دعا الحكومة للنهوض بقطاع شق الطرق، أوضح عبد القادر اعمارة وزير التجهيز والنقل، أن أسباب تعثر برامج فك العزلة بجهة الشمال، يرجع أساسا إلى الخصائص الطبوغرافية والجيولوجية لأقاليم الجهة، مما يؤدي إلى ارتفاع تكلفة شق الطرق القروية مقارنة مع باقي المناطق، ومع ذلك فإن جهة طنجة تطوان الحسيمة تتربع في السنوات الأخيرة على الميزانيات المرصودة لكل جهة من الاستثمارات في مجال الطرق، حيث تصل إلى مليار درهم مقارنة بـ 600 مليون درهم لباقي الجهات.

وأوضح اعمارة أن وزارته رصدت احتياجات تقدر بـ 4 ملايير درهم إضافية، ما بين مشاريع تثنية وتوسيع الطرق وإحداث أخرى جديدة، داعيا المنتخبين والمسؤولين الترابيين بالجهة للتشاور مع وزارة التجهيز، قصد إعداد تصور متوافق عليه يراعي العدالة المجالية في توزيع برامج شق الطرق وفك العزلة عن مختلف أقاليم جهة الشمال، وخاصة إقليمي وزان وشفشاون الأكثر تضررا.

6 آلاف أسرة من دون كهرباء

أما فيما يخص قطاع الكهرباء، فأوضح المسؤول الترابي الأول عن جهة طنجة تطوان الحسيمة، أن معدل الاستثمارات التي رصدت بلغ 16 ملايير درهم، خصص منه 9 ملايير درهم للكهربة القروية التي بلغت تغطيتها نسبة 99,97 بالمائة، لكن هذا المعدل لا يأخذ بعين الاعتبار حوالي 6 آلاف أسرة خارج منظومة الدواوير، وفق قوله.

وفيما يخص الاستثمار في قطاع الماء الصالح للشرب، يضيف محمد اليعقوبي، فإن جهة الشمال استفادت من إجمالي استثمار قدره 10 ملايير درهم، خصصت منه 3,6 مليار درهم لتزويد العالم القروي لتصل إلى نسبة 74 في المائة، أي دون المعدل الوطني الذي يصل إلى 96,6 في المائة، كما تبقى نسبة الولوج إلى شبكات الماء الشروب متباينة من إقليم لآخر، إذ تتجاوز في تراب عمالة طنجة 99 بالمائة، لكنه لا يتعدى نسبة 76 في المائة بإقليم شفشاون.

التعليم العالي دون المستوى

من جهة أخرى، دعا الوالي محمد اليعقوبي إلى بذل مجهودات إضافية لتحسين قطاع التعليم بجهة طنجة تطوان الحسيمة، إذ بالرغم من أن معدل التمدرس عرف قفزة نوعية خلال الـ 10 سنوات الأخيرة، حيث انتقل من 37 في المائة إلى 66 في المائة من التعليم الثانوي، على سبيل المثال، ورغم انخفاض معدل الهدر المدرسي في المستوين الإعدادي والابتدائي نتيجة توفير وسائل النقل، فإن هذه المعدلات تبقى أقل من المستوى الوطني بكثير. أما فيما يخص قطاع التعليم العالي الذي يعتبر محركا أساسيا للتنمية الاقتصادية والاجتماعية بحكم ما يقدمه من كفاءات لكل القطاعات، فإنه يحول دون مواكبة التطور الاقتصادي والديموغرافي الذي تعرفه الجهة، ويرجع الأمر إلى أن مؤسسات التعليم العالي بجهة طنجة تطوان الحسيمة تبقى دون المستوى، حيث إن طاقتها الاستيعابية وتوزيعها الترابي على أقاليم وعمالات الجهة يبقى دون التطلعات، كما أنها تعاني من وطأة الاكتظاظ وضعف الإمكانيات.

بخصوص التكوين المهني، فإنه على الرغم من تضاعف عدد المؤسسات أربع مرات خلال العقدين الماضيين، حيث بلغ عددها 57 مؤسسة للتكوين المهني سنة 2018، فقد مكن من ارتفاع الطاقة الاستيعابية بحوالي 100 ألف متخرج خلال الـ 20 سنة الأخيرة في عدة تخصصات، أبرزها قطاع صناعة السيارات، النسيج، الصناعات الإلكترونية، غير أنه مع ذلك يبقى معدل البطالة بالجهة مرتفعا في صفوف حاملي الشهادات العليا، ومن الفئات العمرية الشابة.

الصحة مؤشرات ضعيفة

رسم والي جهة طنجة تطوان الحسيمة، صورة قاتمة عن وضعية قطاع الصحة بالمجال الترابي الذي يشرف على تدبير شؤونه، إذ أكد محمد اليعقوبي في عرضه الذي قدمه أمام رئيس الحكومة ووفده الوزاري المرافق، أن مؤشرات النمو في قطاع الصحة تبقى ضعيفة جدا مقارنة مع المعدلات الوطنية، داعيا إلى تعزيز الموارد البشرية لتواكب النمو الديمغرافي والتزايد السكاني بالجهة لما يعرفه من نقص حاد في الأطر، فعلى سبيل المثال، فإن المعدل الوطني لعدد السكان لكل طبيب هو 1369 نسمة، بينما يتضاعف هذا العدد ثلاث مرات تقريبا في جهة الشمال بمعدل يصل إلى 4030 نسمة.

كما تعاني الجهة أيضا من عجز كبير في أسطول الأسرة بالمستشفيات والمصحات الطبية العمومية، وأيضا في البنيات التحتية، حيث يرتفع عدد السكان لكل سرير إلى 1851 نسمة، مرتفعة عن المعدل الوطني الذي يقدر بـ 1536 نسمة لكل سرير، أما بالنسبة للمراكز الصحية فإن عدد السكان لكل مركز صحي بعيد جدا عن المعدل الوطني الذي يصل إلى 12 ألفا و266 نسمة، في حين تعاني الجهة من ارتفاع يقدر بـ 14,435 نسمة لكل مركز صحي، فضلا عن تفاوتها الكبير جدا بين الأقاليم.

ورغم أن استثمارات قطاع الصحة في جهة طنجة تطوان الحسيمة، بلغت حسب الأرقام التي قدمها الوالي اليعقوبي 3 ملايير و343 مليون درهم، تحتاج الجهة انتظار انتهاء الأشغال المستمرة في المشاريع الطبية التي هي قيد الإنجاز، كالمركز الاستشفائي الجامعي بطنجة، الذي صرح وزير الصحة أن نسبة الأشغال به تجاوزت 65 بالمائة، إضافة إلى المستشفيين الإقليميين بكل من تطوان والحسيمة التي أشرفت أشغال توسعتهما وتأهيلهما مراحلها النهائية حسب الوزير التقدمي في الحكومة، ثم مستشفى إمزورن الذي سيفتتح أواخر السنة الجارية.

قطاع السكن.. الفوضى

كشف محمد اليعقوبي، أنه بفضل التوجيهات الملكية التي تهدف إلى تحقيق التماسك والاندماج الحضري، عرف القطاع السكني بالجهة عدة مشاريع هيكلية كبرى، تهدف بالأساس إلى الحد من الكثافة السكانية وإلى تنويع العرض السكني والقضاء على السكن غير اللائق، ومواكبة الدينامية الحضرية مثل برنامج مدن بدون صفيح، وبرامج إعادة هيكلة الأحياء الناقصة التجهيز، وكذا إحداث أقطاب حضرية مندمجة.

لكن بالرغم من أهمية مشاريع المدن المندمجة والأقطاب الحضرية، فإنها بحسب والي جهة طنجة تطوان الحسيمة، لم تلعب دورا لتخفيف التكتل والكثافة السكانية، إلا أنها لم تلعب الدور المطلوب في هذا الاتجاه، الشيء الذي يستدعي مواجهتها ببرامج كفيلة لإعطائها الدينامبة المرجوة. وفي تعقيبه على هذه الإشكالات، قال عبد الأحد الفاسي الفهري، وزير إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، إن وزارته ترى أن جميع الشروط موجودة من أجل إخراج القطبين الحضريين المتعثرين “ابن بطوطة” و”مدينة الشرافات” في أقرب وقت إلى حيز الوجود، مشددا على أنه ليس هناك هامش للإخفاق في هذين المشروعين.

كما وعد الوزير التقدمي في حكومة سعد الدين العثماني، بمراجعة النصوص التنظيمية المتعلقة بالتعمير وخاصة القانون 66-12، وذلك بعدما أظهرت التجربة القصيرة لدخوله حيز التطبيق، وجود نواقص تحول دون تحقيق النجاعة المرجوة في تنظيم السكن اللائق بالمدن. وفي رد غير مباشر على عمدة مدينة طنجة البشير العبدلاوي بخصوص تأخر المصادقة على تصميم التهيئة، أقر عبد الأحد الفاسي الفهري بأن هناك قضايا مستعصية مطروحة بإلحاح، تتمثل في تعثر تنزيل بعض وثائق التعمير والتخطيط الحضري التي يجب أن تخرج إلى حيز الوجود، دون أن يحدد الجهة التي يجب أن تقوم بهذه المهمة، بالنظر إلى الرأي الملزم لرجال وزارة الداخلية.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي