ثلاث أطروحات مأزومة

25 يناير 2019 - 13:42

التفكير في السياسة في المغرب يقود إلى استنتاج ثلاث أطروحات تتجاذبها منذ زمن طويل: أطروحة الملكية البرلمانية، وأطروحة الإصلاح ضمن سقف الملكية التنفيذية، وأطروحة التوازن السياسي.

دعاة الملكية البرلمانية، فقدوا الوهج بعدما أخذ الإصلاحيون زمام المبادرة من حركة 20 فبراير، فأصبح طرحهم يتأرجح بين خطاب نظري معياري فاقد لشروط التنزيل الواقعي، وبين خطاب تحميل المسؤولية للإصلاحيين على إضاعتهم الفرصة التاريخية على الحَراك الشعبي، الذي كان ينتظر منه ترجمة الفكرة/ الشعار إلى تحقق واقعي.

أما الإصلاحيون، فمنذ علال الفاسي رحمه الله، وأطروحتهم تستمد حجتها من وشاية النخب ووقيعتها، ومنع التقاء الإرادتين الإصلاحيتين. منطقهم يدور حول فكرة الثقة، ثم فكرة الحكمة. بناء جدار الثقة السميك مع المؤسسة الملكية، والحكمة في نقل الفكرة الإصلاحية حتى تنال المباركة والاستجابة، وجوهر الصراع عندهم، مع نخب مصلحية مستفيدة، تحول دون التقاء الإرادتين، مهمتها هدم جدار الثقة، والتقاط الأخطاء التي تربك قدرة النخب الإصلاحية على إنتاج الحكمة في تبليغ الفكرة الإصلاحية.

أما السلطة، فلها وجهة نظر أخرى، فما يهمها هو التوازن السياسي للحفاظ على جوهرها، ومنع حصول هيمنة مفترضة من أي فاعل حزبي. سؤال الإصلاح جوهري بالنسبة إليها بالنظر إلى الظروف، خاصة منها الشديدة، لكن تكوينها وتركيبتها، يجعلها دائما مرتبطة أكثر بالاقتصاد والثروة، والحاجة إلى تأمين احتكار السلطة.

هي في تناقض مركزي مع الطرفين، مع الذين يحاولون عزل الملكية عن الحكم المباشر، ومع الذين يتطلعون للإصلاح، فيدفع بهم الفراغ السياسي لمناطق الحرج وإرباك معادلة التوازن، فيتم التخويف من هيمنتهم، حتى وهم ضالعون في إنتاج وظائف الشرعنة والتسويغ.

الأطروحات الثلاث كلها اليوم مأزومة، ليس لأنها لا تمتلك قوة في منطقها وحججها ومقولاتها، ولكن لأن طبيعة الديناميات والتفاعلات الجارية تحكم عليها بانسداد الأفق.

أطروحة السلطة، الخائفة من الهيمنة، والباحثة عن التوازن، فقدت تقريبا كل الأوراق، ولم تعد تعول على الطبيعة، وفضلت اللعب بورقة الصناعة والضبط. أن تراهن على توازن طبيعي بوجود أحزاب وطنية خرجت من رحم الشعب، فهذا ممكن، لكنه مكلف وغير مضمون.  محتمل جدا أن يتم الاشتغال على إحياء الاتحاد والاستقلال، فلا يتطلب ذلك أكثر من إدخال القيادات المميتة إلى الدولاب، والبحث عن الرموز الكثيرة التي فرت بمصداقيتها بعيدا عن العبث. لكن، من يضمن إذا سارت الأمور في هذا المسار، أن يتحول خلاف الطبيعة بين مكونات الفعل الوطني الديمقراطي إلى كتلة للنضال الديمقراطي، بدلا من أن تصير أداة لتأثيت توازن يخدم جوهرا سلطويا.

أزمة أطروحة الملكية البرلمانية، أنها يوتوبيا حالمة،  مُغرِقة في المعيارية، تفقد مواردها البشرية كل حين باستدماج السلطة للنخب، وهي بحلمها التقدمي، ماضوية في طرحها وخطابها، فبدل أن تؤسس نفسها في واقع السياسة، تعيش على ذكريات حركات وحراكات فشلت في بلوغ غاياتها، وتمارس غير قليل من سب وشتم الإصلاحيين بحجة اختطاف الحلم.

أما أزمة الإصلاحيين، فهي من طبيعة خاصة، لأنها تؤسس جاهدة منطقها وحجتها على الثقة، فتجد نفسها بعد طول عناء، وبسبب من الخوف من هيمنتها على المشهد، أمام جدار سميك من الشك في نواياها وغاياتها. نعم، حجتها المقابلة التي تستدعي النخب ووقيعتها ومساعيها لخلق التوتر بين المؤسسات، تجعل قدرتها على الاستمرار متجددة، لكن، هي في الجوهر، بسبب عدم النجاح في تحقيق التقاء الإرادتين على الشكل الذي تتصوره، تعيش دائما في أزمة. أزمة الفاعلين الثلاثة تتمثل في الانتظارية، السلطة تنتظر حصول التوازن، فلا تجد سبيلا لتـأسيسه على الطبيعة، فتضطر للضبط والتحكم ولو بإنتاج توازن قسري،  وأنصار الملكية البرلمانية، ينتظرون حَراكا مقبلا يحقق الحلم الوردي، ويعفيهم من الفعل السياسي الواقعي، أما الإصلاحيون، فينتظرون استجابة الملك وثقته.

التجارب أكدت نجاح الإصلاحيين، خاصة في فترات الشدة، لكنها أكدت في المقابل حصول إحباطات كثيرة، غالبا ما تستغل لإعادة تسويغ الأطروحة المقابلة، لكن أبدا، رغم الإحباطات المتكررة، لم تنجح أطروحة الملكية البرلمانية في أن تصير بديلا شعبيا مغريا.

إصلاحية بنكيران تخوض تجربة جديدة، تحاول إعادة تأسيس نفسها في مناخ الإحباط، قوتها، عنادها وارتكازها على فكرة الإصلاح والفراغ السياسي، الذي يعطيها الصدارة، لكن التحدي الأبرز الذي يواجهها هو ذاتها، وقدرتها على تحصين نخبها من مفعولات الاستدماج.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

محمد منذ 3 سنوات

الا تعتبر تجربة التناوب تجربة اصلاحية فما هي المآلات التي انتهت اليها واية اختراقات تحققت ... ماذا يعنيه الاصاجيون بالخروج عن المنهجية الديمقراطية وهل اكتسبت قدرتها على التجدد والاستمرارية ... الصيغة الثانية "الاصلاحية " لبنكيران الذي اول ما فعل تنازل عن بعض اختصاصاته الدستورية والتي جاءت نتيجة المطالب التي رفعها شباب حركة 20 فبراير وهو الدستور الذي جاء ليجيب عن مطالب الحركة وبالتالي التعديل في نمط الحكم الذي جعل من بنكيران رئيس حكومة باختصاصات لم يطلبها ، لم يتوفر الا بالوقود الذي كان يحرك الحركة والذي انتج لنا هذه التغييرات وان كانت لم تصل الى المدى المطلوب ، بمعنى ان دعاة الملكية البرلمانية هم من كانوا في قلب الحركة ، علما ان بنكيران واجهها وشكك في نواياها ، وحاول رفع شعار التغيير في ظل الاستقرار كما لو ان الحركة هي حركة فوضوية عبثية ، وللأسف ابتدع بنكيران خطابا هلاميا يتحدث عن العفاريت والتماسيح والتحكم في محاولة لتبرير الأزمة التي وقع فيها ، وها هو اليوم يتنكر لذات الخطاب والاخطر الا يحقق وجوده الا بالريع ، بينما رفاقه دخلوا في " الاستدماج " الذي تحدث عنه المهدي المنجرة ، او ما سماه بالمخزن المتجدد ، بمعنى الاستدماج داخل " التحكم " ، بينما خطاب دعاة الملكية البرلمانية كان خطابا جريئا وواضحا ومتماسكا . المجتمعات الاوروبية التي تبنت الملكية البرلمانية ربما كانت اقل نضجا وهي مجتمعات " يوتوبية حالمة غارقة في المعيارية ... وهي بحلمها التقدمي ماضوية في طرحها وخطابها " الم تستطع تلك المجتمعات التأسيس لأنظمة ديمقراطية تقدمية ، ربما يحاول الكاتب التعويم للهروب بالأزمة التي يعرف جيدا من يعنيها ...

التالي