ديمقراطية مُحجبة (2)

25 يناير 2019 - 13:44

كنا توقفنا في الأسبوع الماضي عند القواسم المشتركة  بين النظام والبيجيدي (التصور السلطاني للحكم، والاختيار النيوليبرالي في الاقتصاد)، وعند التوافقات الضمنية في السياسة الخارجية المحكومة بالتحالفات التقليدية للمغرب. ليظل سؤال سوء الفهم الذي يظهر في محطات عديدة بين الحزب والمتنفذين في السلطة محتاجا إلى تقليب النظر في هذه العلاقة الملتبسة، خصوصا حين يتطور سوء الفهم إلى ضربات تحت الحزام: التشهير في الإعلام المحسوب على السلطة، تضييق سلطة الوصاية على عمل مجالس المدن التي يسيرها الحزب، مناوشات من داخل الأغلبية الحكومية…

أعتقد أن الحزب حقق اختراقات في التفكيك البطيء للسلطوية، وهي اختراقات قد لا تعود لرغبة الحزب، أو لمخطط مفكر فيها، بقدر ما تعود للالتقاء الموضوعي بين تغيرات مجتمعية وديمغرافية، وبين عوامل داخلية وخارجية، دون استبعاد لتاريخية الحزب وطبيعة بنائه الإيديولوجي والتنظيمي، لكن المفاجئ أن هذه الاختراقات في جسم السلطوية يعمل الحزب نفسه على الحد منها، فيما يشبه عمل المضادات الحيوية. وسنعطي ثلاثة أمثلة على هذه الاختراقات:

أولا: استطاع الحزب عبر صناديق الاقتراع أن يفشل تصدر حزب الدولة لنتائج الانتخابات، وفي محطتين متتاليتين، وقد كانت سابقة في تاريخ الاستحقاقات الانتخابية، أن تهزم إرادة حزبية تنظيمية وتعبوية آليات السلطة المالية والإعلامية والحزبية، وملحقاتها الضبطية في وزارة الداخلية (من الولاة حتى المقدمين)، لكن العقل السلطوي التف على هذه الهزيمة، بالانتقال من الضبط الانتخابي نحو الضبط الحزبي، الذي لم يسلم منه حتى البيجيدي. ثانيا: ساهمت طبيعة الفئات الاجتماعية التي تشكل نسيج الحزب، في صعود الطبقة المتوسطة انتخابيا، وبالتالي، تغييرا ملحوظا في هرم المجالس المنتخبة وتفريعاتها، تغيير طال حتى بعض المناصب العليا، التي عرفت تراجع كتلة الأعيان والتكنوقراط المتحدرين من العائلات الكبرى، لصالح فئة متحدرة من الطبقة المتوسطة، لكن هذا الصعود الانتخابي لهذه الطبقة وازاه للأسف تقهقر طبقي لها، تمثل في ضرب مكتسباتها الاجتماعية وقدرتها الشرائية، كما أن جزءا كبيرا من منتخبي البيجيدي وممثليه في المجالس والمكاتب أصبحوا يشكلون تيارا محافظا سياسيا ومتنفذا حزبيا، يمنع أي «مغامرة» حزبية قد تستهدف مكتسباتهم المتأتية من وضعهم المالي الطارئ، ومن العلاقات التي نسجوها مع جهات في السلطة سواء محليا أو وطنيا.

ثالثا: حصل تطور في إمكان تقاسم السلطة بين القصر والحكومة، وهو أشبه بالوجود بالقوة الذي ينتظر تحوله إلى الوجود بالفعل، وجود في المتن الدستوري إذا تم تأويله وفق استراتيجية التحول الديمقراطي، ولكنه غائب عن الممارسة الواقعية، حيث لايزال التفرد بالقرار سمة مستمرة في النظام السياسي، وهي استمرارية غير مرتبطة دائما بميزان القوى الذي يميل للقصر، بل أحيانا مرتبط باختيار ذاتي للبيجيدي، يؤمن بأن البقاء في الكراسي مرتبط بالسكوت عن قضم صلاحيات الحكومة وتحجيمها، بل يصل الأمر حد تمرير قرارات وسياسات اجتماعية خطيرة وتحمل مسؤولية نتائجها من الرصيد الانتخابي وشعبية الحزب، مقابل الاستمرار قريبا من السلطان.

إن كل هذا يعني في المحصلة أن المغرب كان منذ 2011 في منعطف تاريخي نحو التحول الديمقراطي، لكن تم إجهاضه بسبب توافق ضمني بين السلطوية والبيجيدي، مما جعلنا في مشهد يتزايد فيه الطلب على السلطوية عوض تفكيكها (مشهد قريب مما يقع في بلدان كثيرة بما فيها المتطورة، مع اختلاف في الآليات)، وهو طلب من جهات ثلاث: من إسلاميي المؤسسات بفعل التصور السلطاني للحكم، وبفعل السعي إلى تأمين البقاء في الكراسي دون اصطدام مع المتنفذين في الحكم، ومن النخب العاجزة عن التدافع الانتخابي مع البيجيدي، والتي تلتجئ إلى السلطوية من أجل تأمين مصالحها، ومن هذه النخب من يعتبر أن الحداثة تحتاج إلى حماية سلطوية في مواجهة الأصولية، أما الجهة الثالثة، فهي الحراكات الاجتماعية التي تطالب بالتدخل الملكي أو تتوجه له مباشرة دون وسائط سواء بالنقد أو بالمطالبة، وهذه الأخيرة هي التي تشكل إزعاجا للسلطوية، باعتبار عجزها عن تلبية انتظاراتها المتزايدة، عكس الفئتين الأخريين (إسلاميو المؤسسات والنخب المضادة لها).

في المحصلة، فإن البيجيدي بخطابه الديني وقوته التنظيمية وكتلته الانتخابية وأذرعه الموازية (الدعوية والجمعوية والشبيبية والإحسانية) يشكل مصدر إزعاج للسلطوية، ولأجهزتها الضبطية والإيديولوجية، خصوصا إذا استحضرنا تغوّل اللوبي الفرنكفوني في مفاصل الدولة، والذي ليس على وئام مع حركات الإسلام السياسي (حتى فرنسا لا تنظر بارتياح لصعود الإسلاميين، عكس البراغماتية الأنغلوساكسونية)، لكن السؤال: هل يستثمر البيجيدي كل هذا في القيام بواجب الوقت، الذي هو الدفع نحو توسيع الهوامش التي تفتح أفق التحول الديمقراطي بدل تجذير السلطوية؟ أشك في ذلك.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي