احتجاجات التجار بين التسييس والتبخيس

29 يناير 2019 - 13:12

في كل الدول المتقدمة، يعتبر التهرب الضريبي جريمة، يُتعامَل معها بصرامة، ومن يتورط فيها، يصبح محل انتقاد من لدن الرأي العام والصحافة ومن السياسيين، بل يصبح منبوذا، وقد يخضع للاعتقال والتحقيق، مثل ما حصل لكارلوس غصن الذي لايزال معتقلا في اليابان، أو يبحث عن تسوية تبعد عنه شبح السجن، مثلما حصل حديثا للنجم السابق لريال مدريد، كريستيانو رونالدو، الذي اضطر إلى أداء 18.8 مليون أورو لإدارة الضرائب الإسبانية تسوية لتهربه ما بين 2011 و2018. لكن في بلادنا، مع الأسف، تسود ثقافة تتسامح مع المتهربين، ولم يسبق أن سمعنا بمحاكمات بسبب التهرب الضريبي، أو اعتقالات. وكلما اقتربت إدارة الضرائب من أحد أعشاش التهرب، قامت القيامة، وتصبح الإدارة كأنها هي المتهمة، بل يدخل على الخط بعض السياسيين الذين يريدون الركوب بشكل سياسوي على القضية لغرض في نفس يعقوب، دون أن يدركوا أن هذا اللعب خطير، ويناقض دولة القانون، ومن شأنه أن يشعل النار.

هذا ما وقع مع موضوع احتجاجات التجار، والذي تحول إلى بوليميك سياسي، وفرصة لتبادل الاتهامات داخل التحالف الحكومي. الكل يعرف الآن أن التجار الصغار (600 ألف) غير معنيين بالإجراءات الضريبية الجديدة، ولم يتلقوا أي مراجعة ضريبية، بل إن 400 ألف تاجر صغير لا يؤدون الضرائب، لأن مداخيلهم ضعيفة أصلا، و140 ألفا منهم غير مطالبين بتقديم بيانات المحاسبة، لأنهم يخضعون لسقف جزافي (الفورفي)، وهذا السقف لم يتغير. الكل يعرف أن المعنيين الحقيقيين بالمراجعة الضريبية هم التجار الكبار، أو «تجار الجملة»، الذين يحققون أرباحا كبيرة ويؤدون ضرائب أقل، وهم من يقف وراء تغليط التجار الصغار ودفعهم إلى الاحتجاج. أكد هذه الحقيقة كل من وزير المالية محمد بنشعبون، ووزير التجارة والصناعة مولاي حفيظ العلمي، في البرلمان. ومع ذلك، فإن عزيز أخنوش، رئيس حزب الأحرار الذي ينتمي إليه الوزيران، لايزال ينتقد الإجراءات المتخذة في حق التجار، ويطالب الحكومة بمراجعتها، وأثار هذا الموضوع نهاية الأسبوع الماضي في اجتماع المجلس الوطني. قال لي مسؤول في إدارة الضرائب إن عدد التجار الكبار المسجلين لا يتعدى حوالي 2000 تاجر، بين تاجر جملة صغير وكبير، قلة منهم مستوردون كبار، لكن هؤلاء لا يؤدون سوى 4000 درهم سنويا ضرائب عن الدخل، أي أقل أربع مرات مما يؤديه موظف متوسط يخضع لاقتطاع الضريبة على الدخل من المنبع. توجس هؤلاء الكبار خيفة من المراجعة الضريبية، فاستعملوا التجار الصغار وقود حرب مضادة، وأوهموهم بأن عليهم الإدلاء بالتعريف الضريبي، وبأنهم سيخضعون للفاتورة الإلكترونية، وأن الدولة تريد استهدافهم بالضرائب. ولأن هؤلاء التجار الصغار في الأحياء من الفئات الهشة أًصلا، التي تعاني انتشار الأسواق الممتازة، وتراجع نشاطهم، فقد وجدوها فرصة للاحتجاج والإضراب والتنفيس عن غضبهم، ولم ينتبهوا إلى توضيحات الحكومة، ولا إلى المحضر الذي وقعه ممثلوهم مع إدارة الضرائب، والذي يؤكد عدم استهدافهم بأي إجراءات. سألت تاجرا في الحي عن سبب إضرابه، فقال لي إن تاجر الجملة قال له: «لن أزودك بالسلع إذا لم تدل برقم التعريف الضريبي»، وشرح له أن الهدف من هذا الرقم هو إخضاع معاملاته للمراقبة، وفرض ضرائب أكبر عليه، وكل هذا نفاه وزير المالية. أما الفوترة الإلكترونية، فهي لم تطبق أصلا، وتحتاج إلى نصوص تنظيمية، والغريب أن دولا إفريقية، مثل رواندا، شرعت في تطبيقها منذ 2013، وهناك دول إفريقية أخرى ستشرع في تطبيقها لأهداف جبائية، أما الدول المتقدمة فإنها تعمل بها منذ سنوات. صحيح أننا نحتاج إلى عدالة ضريبية، وإلى تخفيف العبء الضريبي، وهذا هو جوهر النقاش حول الضرائب، أما استغلال موضوع التجار لأهداف سياسوية، فلن يسهم سوى في تبخيس السياسة وضرب الإدارة، وهو أمر لا تخفى عواقبه.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي