بنكيران.. المعاش أم الملكية؟

30 يناير 2019 - 14:04

ظل الأستاذ عبدالإله بنكيران، يمارس السياسة وسط دوامة الانتقاد والتشويش، منذ أن أعلن نفسه فاعلا سياسيا، مختلفا عن باقي أقرانه ورفقائه، وبعيدا عن التمثل الذي حاول خصومه الذين اكتشفوا تميزه، رسمه له وللتيار الذي يتزعمه، وخارج التصنيف الذي يوضع فيه عادة، أثناء محاولات التعريف به، بحسن نية أو بسوئها.

لذلك، فإن الحملة الإعلامية التي تستهدفه خلال هذه الفترة، في موضوع استفادته من معاش استثنائي، لا تحمل جديدا، وليست الأولى ولن تكون الأخيرة في حقه.

بقليل من التركيز، نكتشف أن «حطب» هذه الحملة الجارية، حول استفادته من معاش استثنائي بقرار لجلالة الملك محمد السادس، ينتمون إلى فئات معروفة بخصومة تاريخية مع بنكيران، ليس مأمولا منها أن تقول كلمة إنصاف في حقه، ولا يُرى لكثير منها أثر إلا إذا تحدث بنكيران، أو كان لحزبه موقف قوي يكشف هشاشة مواقفها وتهافت أمانيها.

وطبعا ليس المراد هنا التعميم ولا الانتقاص من كل التعليقات الصادرة حول معاش بنكيران الاستثنائي، لأن الكثير منها صدر بعفوية، وربما بدافع غيرة وحب للرجل، أو خوفا على مصداقية الصورة التي تشكلت عنه في الأذهان والوجدان، غير أن التنبيه مطلوب لفرزٍ يساهم في جلاء الحقيقة، بعيدا عن أساليب التضليل والتضبيب وخلط الأوراق.

بدون مجازفة، الواقفون وراء هذه الحملة الجديدة التي يتعرض لها الأستاذ بنكيران، لا تحركهم غيرة على مال عام، ولا موقف صارم من الريع، ولا دفاع عن «كرامة» موظفين عموميين تحملوا عبء ما سمي إصلاح أنظمة التقاعد، لأن الجميع يعرف أين يُهدر المال العام حقيقة، وأين يعشش الريع ومن يستفيد منه، ومن بنى منه «إمبراطوريات» سياسية واقتصادية وعقارية، والجميع يعرف أن عدد الموظفين العموميين لا يتجاوز المليون، وأن المتضررين منهم في الواقع من ارتفاع مساهمات «إنقاذ» نظام التقاعد، أقل من هذا العدد، وهؤلاء الذين يدعون الدفاع عنهم، تحت يافطة رفض معاش بنكيران، لا يُسمع لهم ركزا في الدفاع عن الملايين من المغاربة الذين لا علاقة لهم بالوظيفة العمومية، ولا يعرفون في الأصل أجرة شهرية، ولم يُسجل لهم موقف مسموع دفاعا عنهم، وهم الأولى بخوض الحملات من أجلهم، حتى نقتنع بصدق دفاعهم عن من «ظلم» بنكيران لهم في  ورش «إصلاح» التقاعد!

في التقدير، هناك احتمال قوي يقول إن الغاية من استهداف بنكيران عقب كلمتيه الأخيرتين، هو التشويش على ما قاله في موضوع الملكية، والحيلولة دون أن تصل تفسيراته ووجهة نظره إلى من يتابعونه ويثقون فيه، نخبا كانت أو عموم المواطنين، لأنه كان حريصا في الكلمتين اللتين لم يفصل بينهما سوى أسبوع واحد، على أن يبعث إشارات قاصدة، مفادها أن شيئا ما يعتمل في مكان ما، وتحت مسميات خادعة أو مدلسة، حاول أن يضعها تحت المجهر لتفكيكها ومحاولة توحيد معناها، وبناء مضمون متفق عليه حولها يشكل مرجعا في حسم الموقف منها.

بنكيران مشغول بـ»الماكرو» ويساهم قدْر فهمه في تحصين الأسس التي تقوم عليها الدولة، أو على الأقل ينبه بحدسه وبخبرته، إلى من يمكن أن يكون قصدهم وعينهم على هذه الأسس، ومعاولهم تحفر تحتها، لكنهم يتدثرون بصفات تُبعد عنهم الشبهة، أو يتسلحون بلغة ساحرة، تستغل الرغبة الدائمة والمشروعة في التقدم والتطور، وتلعب على السياقات السياسية والاجتماعية الدافعة، وبالتالي، فإن المطلوب الحذر من السقوط في الفخ المؤدي إلى التيهان، بالانجرار خلف أخبار المعاش، قيمته وهل طلبه أم لم يطلبه، خاصة أن ما قاله بنكيران يعفي عن البحث، والظن أنه يخبئ معطيات أخرى لوقت الحاجة!

المطلوب إذن، الوقوف عند كلام بنكيران عن الملكية، وربطه بما جرى ويجري تداوله في أوساط سياسية وإعلامية، حول نظام الحكم الذي يحتاجه المغرب، وأي مكانة للملكية فيه، وربطه، كذلك، بما يجري من استعدادات للمحطة الانتخابية المقبلة، والنقاش الدائر الظاهر والمستثر، حول الجهوية واللاتمركز، وموقع المواطن البسيط من كل هذا.

بنكيران ليس شخصا خارقا، لكنه ليس شخصا عاديا، وتصوره للدولة واضح في ذهنه، والمؤكد أن هذا التصور ازداد وضوحا بالاحتكاك مع مؤسسات الدولة السيادية، من موقع رئاسة الحكومة الذي أمضى به خمس سنوات، وما يدعو إليه مؤطر بالتاريخ، وليس بمفردات العلوم السياسية، لا باستراتيجيات الصراع على المناصب والسلطة، ولذلك لم ولن يغير موقفه من الملكية، لأنه يعتبرها مظلة للجميع، ويريدها أن تستمر كذلك، وفي هذا ينبغي أن يُناقَش ويُحاجَج، لا في ما يسيء إلى مستوى السياسة في البلاد.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي