جورج كريل (1876-1953)، صحافي مجتهد من الولايات المتحدة، تحول من البحث عن «الحقيقة» ونشرها على أعمدة الجرائد التي عمل بها، إلى «دعائي» للسياسيين مثير للدهشة. مثل هذه التحولات ليست غريبة عن الصحافيين، وأفضل الدعائيين الذين يقدمون «بروباغندا» سياسية جيدة هم أولئك الذين يمتلكون ماضيا حافلا في العمل الصحافي. في المغرب، لدينا أمثلة كثيرة تثير الحسد.
وودرو ويلسون (1856-1924)، الرئيس الأمريكي الثامن والعشرون، لاحظ مهارة ذلك الصحافي، عندما تقدم إليه بخطة للدعاية لصالح مشاركة بلاده في الحرب العالمية الأولى عام 2017. جعله رئيس لجنة الإعلام العامة، وأطلق يده. أسس كريل ما سمي آنذاك بـ«رجال الدقائق الأربع»، وهو جيش يتكون من حوالي 75 ألف متطوع، يلقون خطبا مثيرة للحماسة مدة أربع دقائق فقط، ثم يتوقفون. كانوا محتاطين إزاء العمليات الحسابية المرتبطة بفترة الانتباه (Attention Span)، وكانت لديهم تعليمات مشددة بألا يتجاوزوها.
ألقيت بهذه الطريقة في البروباغندا أزيد من 7.5 ملايين خطبة قصيرة، سمعها حوالي 315 مليون شخص. في المحصلة الأخيرة، نجحت هذه الخطة في قلب الرأي العام المحلي من تمسكه بالحياد إزاء تلك الحرب، إلى جعله يمول ماليا وبشريا جيشا يشارك فيها.
هذه خطط قديمة، لكنها مازالت صالحة للاستخدام في المعارك السياسية والانتخابات. السياسي المغربي الذي خمّن طويلا، ثم قرر تقليدها، هو عزيز أخنوش، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار. للرجل حلم؛ أن يكون رئيسا للحكومة. ولتحقيق ذلك، عليه أن يملأ سلة مقاعده في البرلمان بعد ثلاث سنوات بما يضاعف أربع مرات ما حصل عليه قبل عامين ونيف. هذه مهمة شاقة، لكنها ليست مستحيلة. وغالبا، فقد استعملت هذه العبارات الرومانسية لتشجيعه على شق طريقه نحو تحقيق حلمه.
لفعل ذلك، وبشكل ما، ستطبق خطة كريل نفسها. فقد أوتي بمستشار محنك، وضع قائدا على لجنة تتكون من صحافيين متمرسين، وبعض المساعدين الإداريين المتخصصين في العلاقات العامة، وبخطة لا تخرجهم عن النسخة القديمة لرجال الدقائق الأربع. بدلا عن إلقاء الخطب القصيرة في الشارع، ستلقى الخطب عبر فيديوهات تطرح على الشبكات الاجتماعية. باستعمال الفن، كما فعل كريل عندما أنتج رسم «العم سام»، وبواسطة دعم أقسام الأفلام والأخبار والتصوير، سيحصل الجمهور أيضا على القصص القصيرة التي ينبغي أن تثير انتباهه، فيما ستتكفل الخوارزميات بإسناد هذه العملية بما تحتاج إليه من زخم، حتى ولو تطلب الأمر خلق جمهور وهمي إضافي.
المعارك السياسية حاليا أرضها ليست حقيقية، بل هناك في العالم الافتراضي، حيث يقضي أزيد من عشرة ملايين مغربي أوقاتهم التي يحتاج إليها السياسيون. وفي الواقع، فإن خطط «لجنة أخنوش» لا تختلف كثيرا عما كان يفعله حزب العدالة والتنمية منذ سنوات، فقد أسس لجنته هو أيضا، لكن العاملين فيها، على نقيض الأحرار، سيتحولون لاحقا إلى صحافيين، وليس العكس. لقد سميت، تعريضا، بالجيش الإلكتروني، وكان دورها لافتا في دعم المقدرة الانتخابية لحزب العدالة والتنمية. ألن يكون من الأفضل، إذن، مواجهة جيش بجيش؟
لكن الجيوش تحتاج أيضا إلى الإيمان. جيش متطوعي كريل الـ75 ألفا لم يكن يتلقى أجرا، ولا كان أفراده معلنين أو خبراء علاقات عامة. وكذلك، غالبا ما نظر إلى جيش «البيجيدي» باعتبارهم متطوعين مؤمنين بقضية، وذلك كان، كما قيل، مصدر جبروته آنذاك.
يريد أخنوش أن يؤمن به الناس، وأن يذهبوا للتصويت لمرشحيه في الانتخابات. عليه، تبعا لذلك، أن يغرس الإيمان في قلوب الناس بأن دوره سيكون ضروريا في حياتهم مستقبلا، وبأن لديه مشروعا يستحق القبول والموافقة (Consent).
غير أن الناس لا يتحملون أن يجري تسليع إرادتهم السياسية، أي أن يعامَلوا كمستهلكين مثلما تتعامل «أكوا» مع زبائنها؛ إن الأمر مختلف. لدى الناس رغبات، وخبراء العلاقات العامة يعرفون الآليات التي يمكنها أن تسيطر على سلوكهم. هذه نظرية قديمة أيضا، وليس مستبعدا أن يكون أخنوش يعرف صاحبها، إدوارد بيرنايز (1891-1995)، فقد استخدم إحدى خدعه الدعائية بجلب المشاهير ونجوم الفن إلى منصاته. هذه طريقة خادعة، لكنها تحقق النتائج الجيدة دائما.
دون شك، فإن أخنوش بصدد هندسة القبول لنفسه. وهو يملك الأموال الوفيرة لتجاوز أي عوائق مادية، لكن ينقصه الإيمان. الناس مازالوا مترددين بشأنه، فوسائل عمله تثير الشك في مبادئه السياسية، وخلفيته التجارية تلقي بظلال من القلق حول ما يمكن أن يفعله لصالح تجارته إن نجح في السيطرة السياسية.
في الحقيقة، فإن كل ما يفعله «جيش» خبراء العلاقات العامة المتحلق حول أخنوش، حتى الآن، هو بيعه الأفكار والخطط التقليدية نفسها الموجودة في كتب منشورة منذ حوالي مائة عام. قيمة كتب بيرنايز أو كريل لا تتعدى حاليا أكثر من عشرة دولارات، لكن مضامينها تباع غالبا بملايين كثيرة.
إن أخنوش الذي أصبح في هذه الفترة الهادئة من ولاية سعد الدين العثماني شخصا متقلبا، ومائلا أكثر إلى معارضة ما كان يريده شخصيا في هذه الحكومة، إنما يطبق، حرفيا، ما فعله كريل أيضا؛ إن قائد جيش الدعائيين، رجال الدقائق الأربع، الذين كانوا يحشدون الدعم لمشاركة بلادهم في الحرب العالمية الأولى، هو نفسه الذي كان يقود، قبل عام فقط، الحملة الانتخابية لويلسون، وشعارها: «ويلسون أبقانا بعيدا عن الحرب».
إن الاستثمار في الانفعالات، وهذه هي الفترة المناسبة لفعل ذلك في المغرب، بمقدوره أن يقود إلى النجاح والسيطرة، لكن من الضروري التحذير من أن هذه العملية تشبه تخديرا مؤقتا. إن ما يشيد بواسطة الخداع والنفوذ غير الأخلاقي، والعلاقات العامة المكلفة، ستكون نتيجته، لا محالة، سيئة على مقترفيه أولا، وقد لا تتجاوز صلاحيتهم بعدها مدة تلك الخطب القصيرة التي يخططون لنشرها الآن على الشبكات الاجتماعية.