ماذا يحضّر لنا العالم؟

04/02/2019 - 13:03

بقدر ما تجتذبنا الأحداث اليومية المتناسلة للغوص معها في تفاصيل دقيقة، بعضها مهم بالفعل، وبعضها الآخر جزء مما تجود به آلات صناعة وتوجيه الرأي العام ومصانع الإلهاء؛ فإن الأحداث، التي يموج بها العالم، تتطلب رفع الرأس، بين الفينة والأخرى، لمحاولة تبيّن ما يمسّنا منها بشكل مباشر أو غير مباشر. فالنظام العالمي القائم منذ الحرب العالمية الثانية وصل إلى مداه، وكل ما بني من مرجعيات فكرية ومؤسساتية لما يعرف بالشرعية الدولية يتهاوى مفسحا المجال لما قد يكون نظاما جديدا أو فوضى شاملة. ننشغل بأنفسنا اعتقادا منا بأن ما يحدث بعيدا عنا لا يهمنا ولا يؤثر في حياتنا، فيما السياسة الدولية كالسياسة الوطنية، إن لم تذهب إليها أتت هي إليك، ودخلت بيتك، وأثرت فيه بالتحسين أو بالتخريب.

إطلالة صغيرة من شرفة المغرب تكفي لنلاحظ أن الحسابات الدولية الكبيرة ليست بعيدة عنا، بل تدنو منا في حركة دوران لولبية تفضي جميعها إلى التأثير في مصالحنا الوجودية، أي استقرارنا وتنميتنا وسلامة وحدتنا وسيادتنا. والأمر لا يتطلّب عبقرية كبيرة لتلمّس حجم الرهانات، إذ يكفي أن المغرب يتسم بخصوصية تجعله «يغامر» بنصف ترابه الوطني في أي «معمعة» دولية يدخلها، فيما تدخلها بقية الدول مراهنة على مصالح وامتيازات ونفوذ…

لنبدأ بما ستعرفه الأسابيع القليلة المقبلة من مشاورات ثنائية سيجريها المبعوث الأممي إلى الصحراء، هورست كوهلر، مع كل الأطراف المعنية بملف الصحراء، قبل أن يدعوها جميعا إلى جلسة ثانية في جنيف السويسرية شهر مارس المقبل. خلاصة هذه المشاورات سوف تشكل أرضية ما سيتداوله مجلس الأمن الدولي في أبريل المقبل، لإصدار قراره الجديد حول النصف الجنوبي من المغرب. وبعد أسبوع واحد من الآن، سوف تنعقد في العاصمة الإثيوبية، أديس أبابا، قمة إفريقية تصادف مرور سنتين على عودة المغرب إلى صفوف هذه المنظمة، وجلوسه جنبا إلى جنب مع جبهة البوليساريو الانفصالية. هناك سنكون أمام معركة جديدة تتشابك فيها الخيوط الدولية والإقليمية والمحلية، حيث تسعى أطراف كثيرة إلى تحويل الاتحاد الإفريقي إلى فك ثان لكماشة دولية تفرض «حلا» لنزاع الصحراء.

على واجهة جيو-استراتيجية مختلفة تماما، يقوم بابا الفاتيكان والحبر الأعظم في العالم المسيحي، اليوم الاثنين، بزيارة هي الأولى من نوعها لشبه الجزيرة العربية (مهد الإسلام)، حيث سيقيم قداسا ضخما في أحد ملاعب أبوظبي. زيارة جعلها البابا فرانسيس مجرد شوط أول في خروج كبير نحو العالم الإسلامي، شوطه الثاني سيكون في المغرب بعد أسابيع من الآن. وحرص الحبر الأعظم منذ البداية على جعل زيارته للمغرب في مستوى الأهمية نفسه لدخوله شبه جزيرة العرب، إن لم يكن أكبر، حيث شبّهها باللقاء التاريخي الذي جمع قبل 800 سنة بين القديس فرانسيس والسلطان الكامل الأيوبي، الأخ الأكبر لصلاح الدين الأيوبي، في دمياط بمصر سنة 1219. وإذا كان الحبر الأعظم قد اختار مخاطبة المسلمين في محطتين؛ واحدة عبر النصف الشرقي من المنطقة العربية، وأخرى في قسمها الغربي، فإن خطاب التعايش والسلام هذا يظلل في الحالتين الدولة العبرية التي أقامتها المنظومة الحضارية الغربية-المسيحية فوق أرض فلسطين.

فإعلان زيارة الحبر الأعظم للمغرب زامن ترويجا مكثفا لزيارة مزعومة لرئيس حكومة إسرائيل، بنيامين نتنياهو، للمملكة. وإذا كانت الخارجية المغربية قد خرجت بقوة منتصف 2017 لتعلن إلغاء مشاركة الملك في قمة دول المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا بليبيريا، بسبب اعتزام نتنياهو حضورها؛ فإن الحكومة المغربية اكتفت حتى الآن بالصمت، والإشارة إلى الزيارة المزعومة لنتنياهو بوصف «الإشاعات». بل إن الرباط استقبلت رسميا الأسبوع الماضي وفدا من قادة اللوبي اليهودي داخل الحزب الجمهوري الأمريكي، المعروفين بارتباطاتهم القوية مع إسرائيل.

إذا أضفنا إلى كل ذلك الحالة الاستثنائية للعلاقات المغربية الخليجية منذ اختيار الرباط موقف الحياد بين الإخوة المتصارعين، وانسحابها من التحالف العربي في اليمن، حيث عادت قناة «العربية» السعودية، الأسبوع الماضي، لتنكأ جرح الوحدة الترابية للمغرب عبر تقرير تلفزيوني يقول إن الأمم المتحدة تعترف بالبوليساريو ممثلا للصحراويين؛ يتأكد أننا، كدولة، نوجد في وضعية تفاوضية واضحة مع النظامين الإقليمي والدولي، دون أن نعرف بالضبط محور هذا «التفاوض»، وما نحن مطالبون به، وما مدى قدرتنا على الصمود في وجه هذه التحولات.

هذا التموقع «التفاوضي» ليس جديدا، بل تأكد رسميا منذ الخطاب الذي ألقاه الملك في قمة المغرب ودول الخليج في أبريل 2016، حين أعلن أن مملكته ليست محمية لأحد، وأنها تعمل على تنويع شراكاتها عبر الانفتاح على روسيا والهند والصين. انفتاح يتأكد اليوم بالنظر إلى الزيارة التي قام بها وزير الخارجية الروسي للمغرب الأسبوع الماضي، ووقوف المغرب على عتبة مشروع «الحزام والحرير» الصيني، ودخول التعاون مع الهند مرحلة جديدة…

إذا كان الشعور العام في المغرب أننا خسرنا الكثير من رصيدنا الداخلي في السنوات الأخيرة، خاصة في البناء الديمقراطي وحماية الحريات؛ فإن العقلاء والعارفين بخبايا الأمور، أمثال حسن أوريد الذي نشر قبل خمسة أيام مقالا يشيد بالنبرة الدبلوماسية التي اعتمدها بوريطة في حواره الأخير مع قناة «الجزيرة» (والذي قد يفسّر شدة الأذن التي قامت بها قناة «العربية» السعودية)؛ يكادون يجمعون على استباقية واستراتيجية الأداء الدبلوماسي للمغرب في السنوات الأخيرة. ارتياح لا يمنع الشعور بالقلق مع بوادر اقتراب لحظة حسم كثير من «الصفقات» التي طبخت على مهل. فالمغرب يدخل سوق المساومات الدولية مواجها مساومات ذوي القربى قبل «الأغراب» حول سيادته على نصف ترابه الجنوبي، بدءا من بولتون وصقور واشنطن، ومرورا باللوبي اليهودي والأشقاء في الخليج، وصولا إلى فنزويلا الواقعة خلف بحر الظلمات

شارك المقال