هل انتهى حزب العدالة والتنمية؟ (1/2)

04 فبراير 2019 - 14:04

تكشف الضربات التي يتلقاها حزب العدالة والتنمية في كل وقت وحين، باختلاف السياقات والمعطيات، أن خصومه لا يقفون في الصف نفسه، وليست لهم الغايات نفسها، على الرغم من أنهم يخوضون الحملات الإعلامية ضده في الوقت نفسه، وعلى الرغم مما قد يبدو من تقاطعات في أهدافهم. 
من خصوم هذا الحزب من يتمنون موته، ومحو سيرته، وإزاحته بكل وسيلة ممكنة، مشروعة وغير مشروعة، ولا اختلاف بينهم، سوى في وتيرة القضاء عليه، فمنهم من يسعى إلى الضربة القاضية، ومنهم من يسعى إلى تحقيق هدفه بالنقط وبالتدرج. 
نوع آخر من خصوم العدالة والتنمية، لا يعبرون بالضرورة عن الخصومة معه، لأنه ربما فُرض عليهم بخلفيات يصعب تجاوزها والقفز عليها، أو لأن بإمكانه أن يلعب دورا لصالحهم على المدى المتوسط والبعيد. 
هؤلاء في الحقيقة هدفهم هو ترويض الحزب، وإفقاده مقومات الاستقلالية، ومقومات القوة الذاتية، وجعله تابعا لا فاعلا، ومؤديا لخدمة ودور، يتلقى على أساسهما ثمنا، يمكن أن يكون مواقع ومناصب هنا وهناك، في مؤسسات منتخبة أو غيرها، يُضمن به صمته و»دخوله للصف»، كأحزاب سبقته، باتت اليوم، تعيش على ما تجود به موائد السلطة والنفوذ، ولو كان فتاتا.

ومنذ الانطلاقة الجديدة أواسط تسعينيات القرن الماضي، وجد الحزب نفسه وسط متاهة، لا يكاد ينجو من كمين، إلا نُصبت له كمائن أخرى أكثر خداعا، فكان يواجه خصومه المختلِفين، بما كان بحوزته من أسلحة لا مادية، راسما له طريقا خاصة، استطاع التقدم عليها بسرعات متفاوتة، أوصلته إلى رئاسة الحكومة، وإلى رئاسة مئات الجماعات الترابية، والأهم أنها أوصلته إلى وجدان المواطنين، بعدما تحمل ضربات قاسية، واجهها موحد القيادة وموحد الخطاب. 
غير أن ضربة قبوله بالأغلبية المشكلة للحكومة الحالية التي يرأسها الدكتور سعد الدين العثماني، تعتبر الأقسى، ليس لقوة خارقة لدى خصوم الحزب، ولكن لشيء ما مسّ مناعته وأسلحته، جعلته يعيش لحظات عصيبة لم يعشها من قبل، ولم تسعف كافة محاولات إسقاط سياق ما مرّ عليه بعد سنة 2003، وسياق تشكيل الحكومة الثانية للأستاذ عبدالإله بنكيران سنة 2013، في الإقناع بصوابية أو إمكانية المقارنة مع بات عليه الحزب بعد 25 مارس 2017، ذلك أن الاختلافات كثيرة، خاصة على مستوى تدبير القيادة للأزمة وامتصاص الضربة.
ولأنه تيار مجتمعي كبُر ونضج على مهل، وفق سنن التاريخ، ولأنه يملك تنظيما جديا، فإن «العدالة والتنمية» ما يزال واقفا على رجليه، ويشغل مساحة في المشهد السياسي الوطني، ربما تكون قد تقلصت وتراجعت، لكنها على كل حال ما تزال تشكل المساحة الأكبر، غير أن السنن ذاتها، تجعله معرضا للتلاشي، ومهددا بذهاب الريح.
على العموم، نحن اليوم أمام وضعية سياسية واجتماعية وحقوقية جديدة، الاعتراف بها والتعامل معها بشجاعة، هو ما يجعل تقييم هذا الحزب موضوعيا ومنصفا، وهو أيضا ما يسمح بنجاح أي محاولة للتنبؤ بمستقبله، وما إذا كان سيواصل تقديم خدمات صالحة ونافعة للوطن والمواطنين، أو سيتراجع عن تقديمها، أو ربما قد يجد نفسه من حيث يدري أو لا يدري، يقدم خدمات لجهات ظلت تناصبه الخصومة والعداء.
بصيغة أخرى، هل ما يزال في جعبة حزب العدالة والتنمية ما يقدمه، بمعيار الفعل في التاريخ، وليس بمعيار تدبير فترة تنتهي عند محطة الانتخابات، وبلغة الإصلاح الذي ينفذ إلى عمق الأشياء، لا بلغة الإأنجاز المرتكز على الأرقام التي لا تعكس دائما الحقيقة، بل قد تخفيها في أحايين كثيرة، وقد تكون وسيلة للهروب من مواجهتها، وهل ما يزال بإمكانه أن يكون محركا لإحدى الديناميات المتدافعة والمتصارعة، أم أن كل الديناميات ستتجاوزه، وبتعبير آخر، هل انتهى حزب العدالة والتنمية، أم ليس بعد؟

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.