الحزب الأغلبي.. هل يصلح العطار ما أفسده الدهر؟

04/02/2019 - 14:06
الحزب الأغلبي.. هل يصلح العطار ما أفسده الدهر؟

يبدو أن بلادنا محكوم عليها أن تعيد تجريب وصفات فاشلة فيما يتعلق بالتعاطي مع التعددية الحزبية والسياسية ونزاهة الإنتخابات، الفشل هنا بالتأكيد يرتبط بتصور البعض للمؤسسات والديمقراطية، هذا التصور يعتقد أن القبول بشكليات الديمقراطية كاف لتعزيز البنيات المؤسساتية القائمة وإضفاء بعض من الشرعية على النمط السائد في تدبير الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ورغم أن هذا الأمر تم تجريبه منذ الاستقلال ولم يفض إلى نتيجة، لازال هناك إصرار غريب على استنساخه كما تم في عقود سابقة، ويعتبر ما يجري مع حزب التجمع الوطني للأحرار في صيغته الحالية، مجرد فصل جديد من فصول تنشيط تلك الممارسات البائدة، والتي لازالت تتصور إمكانية نجاح مشروع الحزب الأغلبي؛ الذي طبع مراحل الصراع من أجل البناء الديمقراطي ببلادنا، وفي كل مرة يتم إستحداث هذا الكائن، سواء في صورة تجمع أحزاب، كما وقع بداية الستينات مع (جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية) المعروفة اختصارا بـ (FDIC)، أو في صورة هيئة حزبية كما عشناها مع الأحرار والاتحاد الدستوري وبعدهما بسنوات حزب الأصالة والمعاصرة، هذه التعبيرات «الحزبية» كان يتم إحداثها لمنحها الأغلبية في الانتخابات، فهي دائما يتصادف تاريخ ميلادها مع الانتخابات، حيث يتم منحها الأغلبيات اللازمة، للحفاظ من جهة على الواجهة الديمقراطية للدولة، ومن جهة أخرى، لتكريس الطابع الصوري للمؤسسات. تحالف (FDIC) كان بهدف الهيمنة على أول برلمان منتخب بعد الاستقلال ومحاصرة القوى الوطنية… وانتهت الحكاية بإعلان حالة الاستثناء بعد سنتين فقط، من الحياة الدستورية، وهو ما كان له أثر بالغ على الحياة السياسية والحقوقية والاقتصادية ببلادنا، نجت بعدها البلاد من محاولتين انقلابيتين، واحتضنت السجون والمنافي آلاف المعارضين، وهو الوضع الذي استمر إلى 1976 بعودة الروح للمجالس المحلية المنتخبة وتوج سنة 1977 بانتخابات تشريعية في ظروف خاصة كانت تعرفها قضية الوحدة الترابية، عمليا عاش المغرب من 1965 إلى 1977 بدون مؤسسات منتخبة، بل في ظل الحكم الفردي المطلق، ولم تمنع ظروف المغرب في الصحراء نهاية السبعينات؛ من إعادة إنتاج تجربة الحزب الأغلبي، لكن هذه المرة بأسلوب مختلف، حيث تم ترشيح عدد كبير من المرشحين كأحرار، أي بدون انتماء سياسي، وصدفة (…) سيحصل المرشحون الأحرار على أغلبية المقاعد، ليتم صنع تجمع باسمهم حمل فيما بعد اسم (التجمع الوطني للأحرار) يقوده صهر الملك الراحل الحسن الثاني، هكذا بكل بساطة، فبعد 12 سنة من غياب المؤسسات الدستورية، فضل النظام في تلك الفترة، استئناف الحياة الدستورية بتلك الطريقة، الأمر نفسه سيتكرر في انتخابات 1984، حيث سيتم إحداث (الاتحاد الدستوري) ومنحه الأغلبية، وتجريب إمكانية حمله لخطاب ليبرالي وأريد له أن يكون جامعا لفاعلين اقتصاديين، في مواجهة الأحزاب الوطنية الديمقراطية، وفي سنة 2009 سيتم تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة تحت شعار محاصرة الإسلاميين، والنتيجة كانت هي تحقيق هؤلاء لأفضل النتائج الانتخابية منذ اندماجهم في الحياة السياسية، التجربة أثبتت أن تلك الأحزاب تحقق عكس الأهداف التي أحدثت من أجلها وتتحول في النهاية إلى عبء على الدولة وتنتهي في صورة أحزاب تمثل تجمعا لمرشحين «محتملين» للانتخابات، بدون امتداد جماهيري وبدون رؤية إيديولوجية أو خطاب سياسي مميز، والمهم من كل ذلك، أن هذه التجارب لم تستطع أن تكون جبهة قادرة على التصدي للانتقادات الموجهة للنظام، حيث كان هذا الأخير في مواجهة مباشرة مع الأحزاب الوطنية والنقابات والاعلام والمنظمات الحقوقية والإنتفاضات الشعبية…، وكان في كل مرة بحاجة إلى إستعمال القوة وخرق حقوق الإنسان وتزوير الانتخابات وتوظيف الريع، للحفاظ على السلم الاجتماعي والقدرة على الضبط، وهو ما كلف المغرب كثيرا وبلغ لما وصفه الراحل الملك الحسن الثاني، وهو يستعرض تقريرا أسود لصندوق النقد الدولي، بالسكتة القلبية. لقد أثبتت تجربة الحزب الأغلبي بمختلف مسمياته وأشكاله وأسلوب إخراجه وتدويره، أن الدولة في النهاية هي من يذهب إلى صندوق الأداء لتقديم الثمن وأي ثمن…؟ بينما الوجوه التي تكون في واجهة الحزب الأغلبي تعود إلى الظل لتنعم بما غنمته من ريع الموقع.

قد تكون التجارب السابقة للحزب الأغلبي لها ما يفسرها في سياقات وطنية ودولية معروفة، وإن كانت لا تبرر ذلك الاختيار القاتل في تاريخ العمل الحزبي والسياسي ببلادنا، لكن تدوير حزب أغلبي كما يحدث اليوم مع التجمع الوطني للأحرار، تعتبر سابقة ودليلا على الفراغ وعدم القدرة على استيعاب دقة المرحلة وتحدياتها، فالعطّار لا يصلح ما أفسده الدهر…

شارك المقال