«عدل» الحل و«إحسان» التشميع..

13 فبراير 2019 - 14:21

تُشهر الدولة السلطوية سيف القانون في مواجهة المعارضة، حين يسعفها النص في محاصرة الأصوات المزعجة، كما قد تتساهل في تطبيق القانون نفسه، فتتغاضى عن خرقه، لدواعي الماركوتينغ «الحقوقي»، أو تنفيسا لطنجرة الضغط حتى لا تنفجر، فلها وصفتها في العدل (القانون السلطوي) والإحسان (التغاضي السلطاني فيما يشبه المنة).. فاليد التي يبطش بها الحاكم، هي نفسها التي يوقع بها صكوك الغفران.. والعصا التي يهش بها على غنمه، هي التي يتوكأ عليها خطباؤه على منابر الوعظ السلطاني.. لنبقى أسيري أهواء السلطة، التي تشبه تقلباتها التغيرات المناخية.

وفي نازلة تشميع بيوت/ مقرات جماعة العدل والإحسان، كما حل جمعية جذور، تتحجج السلطة بالقانون، وللأسف يسايرها أحيانا بعض من يحسبون سهوا على الصف الحقوقي، مرددين سيمفونية: خرق القانون موجب لتفعيل عصا الحل والتشميع، بدل جزرة التغاضي والتجاوز.

لن أدخل في الحيثيات القانونية، فذاك نقاش له فقهاؤه المبرزون، وهو على أي حال مجال التأويلات والتأويلات المضادة، ولكن يهمني التنبيه على أن ما هو قانوني ليس بالضرورة «حقوقي»، فأحيانا يتعارض القانوني مع الحقوقي، وخصوصا في الدول السلطوية، التي تشيد القوانين على مقتضى الضبط، لا  على فلسفة الحرية، والمتشبع بثقافة حقوق الإنسان في كونيتها وشموليتها ينتصر للحقوقي حين تعارضه مع القانوني، ولذلك يدافع الحقوقي عن العلاقات الرضائية بين الراشدين، وعن حرية الضمير والمعتقد، حتى وإن جرمهما القانون.. ومن هذا المنطلق، فلا يمكن من موقع الاصطفاف الحقوقي سوى رفض تشميع بيوت/مقرات الجماعة، كما حل جمعية «جذور».

يحاجج البعض بحسن نية أو سوئها أن البيوت المشمعة، كان يتم استغلالها كمقرات للجماعة، والواقع أن هذه الحجة المتهافتة هي تدين السلطوية المخزنية، باعتبار أن تحويل البيوت لمقرات، هو نتاج لرفض الدولة رفع الحظر العملي على الجماعة التي تتوفر على أحكام قضائية حائزة لقوة الشيء المقضي به تفيد قانونيتها..

لقد رفضت جماعة العدل والإحسان منذ أكثر من ثلاثة عقود ثلاثة خيارات: السرية والعنف والعمالة للخارج (أنظمة أو تنظيمات عابرة للدول)، وهذه الخيارات هي التي حصنت الجماعة من ضربات «قاتلة»، تعرضت لها تنظيمات تشبهها، إما في المرجعية (الشبيبة الإسلامية) أو في الجذرية (التيارات البلانكية)، كما أفضت إلى تفاهمات ضمنية بينها وبين النظام، تقوم على تبادل الرسائل والإشارات، فلا الجماعة تنزل بكل ثقلها في محطات الحراكات الشعبية، ولا النظام بدوره يصل في التضييق عليها حد النهج الاستئصالي.. لذا، أعتقد أن حملة تشميع المقرات (مع استثناء المقر المركزي بسلا)، هي سلسلة ضمن حلقة هذه الإشارات التي يلجأ إليها النظام بين الفينة والأخرى، ليذكر الجماعة بأنها قد بدأت بتجاوز الخطوط المسموح بها، والجماعة بدورها حافظت على برودة أعصابها، فرغم أنها ردت ببيان ناري، بيان وقعه هده المرة مجلس إرشاد الجماعة، وليس الدائرة السياسية التي تعودت الجماعة التفويض لها بترجمة مواقفها السياسية، إلا أنها لم تلجأ، كذلك، إلى حشد قاعدتها في أشكال احتجاجية أمام المقرات المشمعة.

وفي الوقت التي يتحرك الشارع وينتفض بعيدا عن التنظيمات المهيكلة، لازال العقل السلطوي مصرا على حظره العملي للجماعة، ورافضا للاعتراف القانوني لحركة «أطاك» المغرب والجمعية الوطنية لحملة الشهادات المعطلين، وممتنعا عن استلام التصريح بتأسيس حزب الأمة، وممعنا في حل حزب البديل الحضاري وجمعية «جذور»، ناهيك عن رفض تسلم الوثائق القانونية لفروع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، وبعد ذلك يحدثونك عن تنظيمات تعمل خارج القانون…

الأصل في الدولة الحديثة، هو الحرية قبل الأمن، ووظيفة الأمن، هي توفير مناخات الحرية، لا الحد منها.. ولا أمن للدولة دون أمن المواطنين (أفرادا وجماعات)..

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.