من يهدد البنيان الدستوري للدولة؟

18/02/2019 - 11:02
من يهدد البنيان الدستوري للدولة؟

في لوحة السياسة في المغرب، تظهر توترات كثيرة، يتابعها الجمهور، ويتلقفها الإعلام، ويهمه أن يزيد منسوب التوتر ويتعمق، لأن الخبر ينتعش في هذه الأجواء، وبدل أن تكون هذه الحوادث محطة للتفكير وطرح السؤال على انزياح قواعد السياسية، يعلق السياسيون، ويحملون مسؤولية النزول بالخطاب.

الطالبي العلمي، وزير في حكومة العثماني، يصرح بأن حليف حزبه يحمل مشروعا تخريبيا للدولة، فيحتقن الجو بين الحزبين، وفي النهاية يوضع السياسيون وخطابهم السياسي في دائرة المساءلة.

والي بنك المغرب، في مداخلته بندوة “إعادة النظر في النموذج التنموي”، يشدد على ضرورة الحفاظ على التوازنات الاقتصادية، ويحذر من العودة إلى برامج التقويم الهيكلي في الثمانينات، فيلتقط الرميد الرسالة السياسية في خطابه، وينشأ التوتر على خلفية رده، ورد والي بنك المغرب عليه، فيقع الرميد وحده في دائرة المساءلة.

مجلس المنافسة طلبت منه الحكومة رأيه حول قرار التسقيف، فتجاوز صلاحيته، وتحول إلى فاعل سياسي معارض، فرد عليه الداودي، فوضع وحده في دائرة المساءلة والحرج.

في ولاية بنكيران، طلب رئيس الحكومة رأي رئيس المجلس الأعلى للتربية والتكوين حول مشروع القانون الإطار لإصلاح المنظومة، وضمن الطلب صفة الاستعجالية، فرد رئيس المجلس بوجود ثغرة قانونية في القانون المنظم للمجلس ونظامها الداخلي تجعل من الصعب الاستجابة لحالة الاستعجال، فتم نقل حالة الصراع بين رئيس الحكومة وهذه المؤسسة الدستورية، ووضع بنكيران وحده في دائرة المساءلة.

وزير الاتصال السابق، راسل مرات عديدة الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري من أجل النظر في مخالفات ارتكبها معدو قطب الإعلام العمومي، ولا سيما القناة الثانية، واتخاذ القرارات اللازمة في حق المسؤولين عن هذا التقصير، كما راسلها للنظر في انحياز القناة نفسها وعدم مهنيتها، فلم تجب الهيئة، ولم ترتب العقوبة، ووضع الخلفي وحده في دائرة المساءلة. وقبل ذلك، وقع توتر شديد بين أرقام الحكومة وأرقام المندوبية السامية للتخطيط، وخرج الحليمي أكثر من مرة من وظيفته البحثية وتقمص لباس السياسي الذي يقدم الكرات للمعارضة، فوضع رئيس الحكومة وحده في دائرة المساءلة متهمين إياه بمحاولة الهيمنة على مؤسسات الدولة.

خلاصة هذه الأمثلة، أن قواعد السياسة اختلت، فالأغلبية تحارب نفسها، ومؤسسات الدولة تخرج عن حيادها وتمارس المعارضة السياسية.

ما الذي يجعل وزيرا في الأغلبية يطلق النار على رئيس حكومته من غير موجب ولا سياق؟ وما الذي يجعل مجلس المنافسة يخرج عن حدود إبداء الرأي وينخرط في تقييم عمل الحكومة؟ وما الذي يجعل والي بنك المغرب يرسل رسائل مشفرة لتدريب المعارضة على حجج القول في الوضعية الاقتصادية، كما ولو كانت سياسات الحكومة القائمة تقود إلى برامج التقويم الهيكلي؟ وما الذي يجعل “الهاكا” تنام عن مهمتها في السهر عن احترام دفاتر التحملات، وتحول وزير الاتصال إلى موظف صغير يناشدها تطبيق القانون، فلا تجيب، ولا تعاقب؟ وما الذي يجعل المجلس الأعلى للتربية والتعليم، يتهرب – بأناقة – من إبداء الرأي، ويتعلل بالثغرات حتى لا يساهم في جعل هذا القانون ضمن إنجازات بنكيران يقدمها في حصيلته في انتخابات السابع من أكتوبر؟ وما الذي يجعل الحليمي يخرج عن لغة الإحصاء للغة السياسة، وهو المؤتمن على إخراج الدراسات والأرقام بكل مصداقية بعيدا عن ديناميات السياسة؟

استطلاعات الرأي المتواترة تفيد بأن نسبة الثقة في المعارضة لا تتعدى 13 في المائة، لكن قواعد السياسة، كما الدستور، تشترط وجود معارضة قوية تضطلع بمهامها.

أن تقوم مؤسسات الدولة الحيادية دستوريا بمهام المعارضة، قد يفضي إلى بعض التوازن، لكنه يهدد قواعد السياسة، ويهدد الدولة نفسها، فهذه المؤسسات تفقد مصداقيتها إذا تسيّست، فتترسخ قناعة بوجود من يتحكم في أحزاب الأغلبية، فيجعل بعضها ضد بعض، وفي المؤسسات الدستورية، ويدفعها لإنتاج مخرجات تحيد بها عن اختصاصها، كما تترسخ عدم الثقة في الملاذات الآمنة التي يلجأ إليها للتخفيف من ديناميات السياسية المتوترة، ولإحداث التوازن بين السلط، وتقديم الرأي الاستشاري الذي يعين الحكومة ويضمن فعالية سياساتها.

لا أفهم أنه لمجرد الحقد على حزب سياسي، وعدم الرغبة في رؤيته مرة أخرى في مواقع القيادة، يمكن المقامرة بالدولة ومؤسساتها، وتهديد البنيان الدستوري الذي بنته الخبرة المغربية بإرادة ملكية، مع أن سقوط هذا البنيان، يتهدد الدولة ومنسوب الثقة في مؤسساتها، وهو خطر على الملكية والاستقرار.

شارك المقال