إذا كنت تريد قتل حركة في الشارع، فاتخذ لنفسك موضعا في الوسط. ما حدث لحركة 20 فبراير لم يكن سوى النتيجة المعقولة للتطبيق الحرفي لهذه القاعدة. اليساريون يعرفون ذلك بشكل واضح، ولديهم لقب شهير لهؤلاء الذين سعوا دائما إلى التزحلق خارج أي مبدئية، بين التسويات غير الواضحة، وبين أنصاف الحلول؛ يسمونهم: الانتهازيون.
هذه ليست قسوة؛ لقد كتب الآباء المؤسسون للأدب الماركسي حول الانتهازية ما يكفي لتشييد سد على وادي أم الربيع -لذلك، فإننا معفيون من تكرار التعريفات- لكن بعض اليساريين المغاربة الذين تملكتهم نخوة برجوازية مفاجئة، وبعض الاضطراب الفكري، لم يروا في ذلك سوى حاجز يعيق تقدمهم نحو «الثورة»، وكان عليهم أن يميلوا إلى الوسط. ومن مال أكثر؟ النهج الديمقراطي أولا، فقد ظهر أن هذا الحزب ذا الميول الراديكالية، كان يبدو آنذاك أكثر اعتدالا من اليساريين المعتدلين في الحزب الاشتراكي الموحد.
في المسألة الشهيرة حول «الثورة» المغربية التي يرعاها الراديكاليون الإسلاميون واليساريون ذوو الخلفيات اللينينية، كان لا بد من موقف انتهازي على ما يبدو؛ يُغذيه بعض الفوضويين الذين لا تعرف نواياهم على وجه الحقيقة. في ذلك الإرباك المفاهيمي، لم يكن هناك ما هو أكثر وضوحا من تلك الفوضى التي رُسم بها أفق الحركة مستقبلا. كانت علامات الاندثار منتصبة على الطريق في بدايته. لكن قليلين من كانوا ينتبهون إليها. كانت فكرتهم ببعض التحوير للعبارة الفوضوية المقلقة، أن يتركوا للمستقبل، بكل راحة ضمير، أمر تقرير الكيفية التي سيكون عليها وضع «ما بعد الثورة».
اليساريون الراديكاليون -أو الجزء الظاهر منهم على الأقل- الذين كانوا ضعفاء من الوجهة التنظيمية، لم يشعروا بأنهم مبتذلون وهم يشاركون في «ثورة» على مقاس لا يناسب أيا من معتقداتهم السياسية، فقد كانوا يتصرفون كبورجوازيين وطنيين بإمكانهم أن ينصرفوا إلى تكنيك انتهازي، ولقد أسسوا ذلك «البرلمان» الذي كان دائما يسعى إليه الماركسيون مثل أي «كمونة»، حيث تموت فيه البيروقراطية واقفة؛ وأطلقوا عليه اسم مجلس دعم حركة 20 فبراير. ماتت مجالس الدعم هذه لأن الروح التي بُعثت في البيروقراطية داخلها كانت أقوى.
في حركة 20 فبراير، تجمع الكثير من الانتهازيين -وبالطبع لم يكونوا وحدهم لكنهم كانوا أكثرية- وكأنها حفلة تنكرية. لا أحد يعلم نوايا أحد. في الشهر الأول، كانت الانتهازية قد قتلت كل شيء؛ والسلطة التي كانت تراقب أي شيء، لم تر ضرورة للوسائل القاسية لإخماد شيء لم يولد بالطريقة الصحيحة. فاليساريون المتنازلون عن فكرتهم الثورية لربح تعاون فعال بين الطبقات -إذا استعملنا مفردات لينين نفسه- لم يربحوا أي شيء في الواقع، فقد خرجوا من الحركة أكثر ضعفا مما كان عليه حالهم يوم دخلوها؛ أما الإسلاميون الراديكاليون، فقد غادروها دون أي مبالاة؛ فهم أنفسهم يشعرون بوخز الطعنة الانتهازية. لقد تَرَكُوا نعيا في الباب وانصرفوا.
الطبيب الذي وصف لهؤلاء مجتمعين دواء محددا في أن يلتقوا، نجح في صنع شعوذة سياسية باهرة. السلطة الآن مشغولة بالإسلاميين الراديكاليين، أما اليساريون، فإن آلة الدولة بالكاد ترى فائدة من بعض المناوشات؛ لقد أصبحوا مطاطا لا تتعدى قدرته إفساد بعض رونق الوجه.
بعد ثماني سنوات، ليس هناك شيء عملي يمكن قوله. لقد كتب الكثيرون عما يجب أن يحفزنا كل مرة نتذكر فيها ما حدث في 20 فبراير. لكن، ألم تتبق لنا غير هذه المشاعر الدافئة لإيقاظ أحاسيسنا إزاء الفشل الإكلينيكي المتوقع آنذاك؟! إذا كان الناس يشعرون الآن بأن مقدرتهم على مواجهة سلطة الدولة قد زادت، فإن ذلك ليس كثيرا على حراك لم ينح سوى ليكون وسطا. الدولة نفسها كانت تقف في الوسط بكل انتهازية، وكما فعلت الحركة ذاتها، أفضت الاختراقات المتتالية للسلطة إلى إنتاج ما نراه جيشا من الانتهازيين. بعض النقابات على كل حال كانت أكثر انتهازية، فقد حصلت على نصيبها في الحال، وتلاشت منذ ذلك الحين. يحس المرء بالدهشة المختلطة بمشاعر الازدراء وهو يراقب النقابات نفسها وهي تسعى إلى الحصول على غنائم إضافية بعد ثماني سنوات، وفي يوم ذكرى حراك 20 فبراير.
وللانتهازية صور متعددة، فالشبان المتحمسون، والمنجرفون بشكل رئيس وراء دعاية الثورات، كان يعرقل طموحهم حاجز ثان؛ السياسيون الذين بدوا أكثر اعتدالا مما هم عليه؛ وليس هناك مثال أفضل من حزب العدالة والتنمية. ومن عادة الانتهازيين في المراحل الحرجة -لكي لا نقول اللحظات الثورية- أن يربحوا كثيرا، والنتيجة: حاز البيجيدي لنفسه حكومة وسط، بدستور وسط، سرعان ما تلاشيا وسط معمعة البيروقراطية التي لم تتكسر. الشيئان الوحيدان اللذان كانا يُسوقان على أنهما مصدر فخر لحركة عشرين فبراير تبخرا في الهواء؛ فالانتهازي، على كل حال، لا يتوقف عن المساومة على موقعه؛ فهو على دراية بأن «الثورة» التي لم تحدث بسببه، لا يمكنها أن تمنحه وضعا «ثوريا». هذه حقيقة بديهية مثل أن وادي أم الربيع يصب في المحيط الأطلسي. بنكيران الآن في صالون بيته يستعرض المرثيات.
بنكيران لم يكن انتهازيا بالطريقة التي شرحها الأدب الماركسي، حيث كل شيء يدور دون أن يتحقق أي هدف؛ ربما كان فقط انتهازيا بالطريقة البسيطة كما تُعلمنا إياها قواعد السياسة. وبهذا التوصيف، حصلنا آنذاك أيضا على جيش عُصابي أكثر قدرة على التدمير من أي شيء آخر، حتى تدمير نفسه. لم تبق لنا سوى المشاعر الآن؛ إننا نشعر بالإحباط المتزايد، لكننا لا نملك أي قدرة على فعل شيء. السلطة البيروقراطية تفعل ما تشاء. إن بناء نظام ديمقراطي ليس عملا «ثوريا» على كل حال، وإذا تركنا لمرض الانتهازية أن يدب أكثر -واليساريون يعرفون عما نتحدث- فإننا سنحصل فقط على الوصفة المناسبة للفوضى.
في كتاب «مرض اليسارية الطفولي» تلخيص لكل هذه الفخاخ التي سقط فيها الراديكاليون المغاربة كالأطفال. على هؤلاء أن يعيدوا قراءته مرة أخرى. الآخرون يمكنهم التمدد بتراخ؛ فقد حصدوا ما زرعوه.