الدرس الجزائري ووهم السياق الدولي!

04/03/2019 - 14:22
الدرس الجزائري ووهم السياق الدولي!

ما تعيشه الجزائر اليوم، بالإضافة إلى كونه يمثل النتيجة الطبيعية لاحتقان سياسي امتد منذ الاستقلال، فإنه في أحد وجوهه الأساسية يعتبر حاصل ضائقة مالية كبيرة واختناق اقتصادي أيضا… نبه إليه كثير من المحللين والسياسيين والخبراء الجزائريين والأجانب قبل سنوات، إذ أكد مثلا، قبل عشر سنوات، رئيس الوزراء السابق أحمد بن بيتور، أن الجزائر تواجه مخاطر كبرى يأتي في صدارتها تقلص القدرات التصديرية المتعلقة بالمحروقات، وخاصة النفط عند مطلع العام 2020، وهو ما سينعكس بصفة مباشرة على قدرة تمويل الخزينة العمومية وتغطية الواردات، وعن النوع الثاني من المخاطر التي ستهز الاقتصاد الجزائري حسب بن بيتور دائما، هو ما سمّاه بـ »تهميش الجزائر » على المستوى الدولي، في وقت يشهد فيه العالم تغييرات سريعة، وسيترتب عن هذا الوضع الهامشي في الاقتصاد العالمي ..  »العجز في تلبية حاجيات المواطنين »، حسب تعبير رئيس الوزراء الجزائري السابق، ليخلص إلى نوع آخر من المخاطر وهو انتشار العنف للحد من النتائج الاجتماعية للاختناق الاقتصادي.

الوضع اليوم في الجزائر معقد، لكننا نشهد بكل تأكيد، شكلا من أشكال تحرر الشعب الجزائري من « فوبيا » عشرية الدم، التي استثمر فيها النظام السياسي الجزائري طويلا منذ توقيف المسلسل الديمقراطي بطريقة عنيفة بداية التسعينيات من القرن الماضي، وذلك بهدف خفض سقف مطالب الشعب الجزائري وجعلها لا تتجاوز حدود الأمن والاستقرار بمعناه الضيق، وقد نجح النظام في ذلك لسنوات، كما أنه وظف عائدات النفط لشراء السلم الاجتماعي، بالإضافة، طبعا، إلى القبضة الأمنية التي تعاملت بحزم كبير مع محاولات الاحتجاجات الشعبية لسنة 2011. الوضع اليوم، يشهد عدة متغيرات، على رأسها التناقضات التي تعرفها بنيات السلطة المختلفة الأمنية، المخابراتية والعسكرية. لقد شكلت عملية إعادة انتخاب الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة للمرة الرابعة بالرغم من ظروفه الصحية الصعبة، عنوانا عريضا على احتباس سياسي، نشهد اليوم آثاره الكارثية، لقد شكل استمرار بوتفليقة في واجهة النظام، أحد وجوه عجز النخبة الحاكمة على الاتفاق عن رئيس جديد تتوافق حوله مختلف دوائر النظام، والأكثر خطورة من ذلك هو أن جناحا في رئاسة الجمهورية عمل منذ بداية الولاية الرابعة، على تصفية عدد من الوجوه السياسية والعسكرية والأمنية، ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل امتد إلى تفكيك أجهزة المخابرات، بشكل قد تكون له انعكاسات خطيرة على أمن الجزائر، فإعادة هيكلة المخابرات لم تتم لأسباب تتعلق بالنجاعة والفعالية، بل فقط، لإعادة ترتيب مواقع النفوذ والقوة في محيط الرئاسة،

ويمكن القول إن إقالة الجنرال توفيق/مدين، واعتقال عدد من أتباعه أو إحالتهم على التقاعد، كان أول منعطف في تفكك بنية النظام الحاكم في الجزائر، وذلك منذ 2015، إذ يشهد الواقع أننا أمام نظام مفكك، والرئيس بوتفليقة عاجز تماما وتتجاوزه الأحداث وهو خاضع بالكامل لمحيطه، خاصة شقيقه سعيد ورجل الأعمال حداد، بينما يبقى الجنرال قايد صالح قائد الجيش « مؤيدا » للرئيس في مواجهة جهاز المخابرات، الذي يبدو أنه يغذي المظاهرات الجارية، خاصة مع تسريبات مكالمات سياسيين من مؤيدي « العهدة الخامسة »، لهذا يمكن القول بأن الشعب الجزائري والنخب الجزائرية الديمقراطية من واجبها أن تحتاط بشكل كبير، إذ يمكن للأجهزة المتصارعة داخل بنية النظام أن توظف الحراك الشعبي التاريخي، لإعادة التوازن المختل بين أجنحتها، وربما دفع البلاد نحو السيناريو السوري، لهذا يجب الحذر من تطور الأحداث ومن الدور الغامض الذي يمكن أن يلعبه الجنرال قايد صالح في ترجيح الكفة بين الشارع ومجموعة بوتفليقة، خاصة أمام ترشح الجنرال المتقاعد غديري، والذي من المؤكد أنه مسنود بالجنرال توفيق.. لذلك يمكن القول بأن الأحداث الجارية لم تبح بعد بكل أسرارها.

يبقى الأهم هو أن الاحتجاجات في الجزائر تعكس على الأرض حقيقة تقول بأن المجتمعات تتطور وفق سياقاتها الوطنية، وليست مرهونة بالضرورة للسياق الدولي، كما يحاول البعض التنظير لذلك الوهم، ذلك لأن الشعوب ليست عاجزة عن التعبير عن مطالبها، وهي قد تستفيد من سياق دولي مساعد، لكنها ليست مرهونة لذلك السياق، والشعوب التي يعتقد حكامها أنهم قد روضوها بما يكفي، يجهلون أن الأصل فيها هو الحرية..

شارك المقال