فقد 157 شخصا حياتهم حين تحطمت طائرة من طراز «بوينغ 737 ماكس 8» قرب أديس أبابا، بعد إقلاعها يوم 10 مارس الجاري. لم تتأخر هذه المأساة الإنسانية في إثارة أسئلة عن أسباب ما جرى. وخلف هذا الحادث أزمة ثقة في شركة «بوينغ»، وفي «إدارة الطيران المدني»، وجهاز التقنين الأمريكي، الذي رغم إيقاف الأجهزة المماثلة له ببلدان أخرى طائرة «ماكس 8» عن التحليق، تركها تواصل التحليق في الأجواء ثلاثة أيام أخرى، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي في الموضوع مجمدا حركة كافة هذا النوع من الطائرات.
وقال الرئيس الأمريكي إن «يوينغ شركة رائعة». لكن التحطم يعد جرس إنذار. فبعد 20 عاما من صعود نجمها، تواجه واحدة من أعقد صناعات الغرب مستقبلا صعبا.
طراز «ماكس 8» يعد واحدا من أكثر طرازات «بوينغ» تقدما. إلى حدود ما قبل الفاجعة، كان يعد قصة نجاح تجارية مع تحرك 370 طائرة من هذا الطراز في الأجواء، ووجود 4700 طائرة تنتمي إليه تحت الطلب. فنماذج طائرات 737 تسهم بثلث أرباح شركة «بوينغ»، وتعتبر أكبر نموذج عليه الطلب. ويأتي هذا الأداء القوي للشركة تتويجا لهيمنة ثنائية بين «إيرباس» و«بوينغ»، مع إقبال طبقة متوسطة عالمية في نمو متزايد على السفر جوا. حوالي 21 ألف طائرة موجودة في حيز الخدمة في العالم، وكل خمس ساعات تُسلّم طائرة جديدة. قلّصت «بوينغ» سلسلة الإمدادات الخاصة بها، وعززت «إيرباس» استقلاليتها إزاء الحكومات الأوروبية. هذا الوضع ضاعف ثراء المساهمين. القيمة السوقية المشتركة للشركتين بلغت 310 ملايير دولار، أي ست مرات أكثر مما كانت عليه عام 2000. واعتُبر الأمن والسلامة لدى الشركتين جيدا بحادثة واحدة في كل مليونين و500 ألف رحلة العام الماضي.
بيد أن كارثة إثيوبيا الجوية تهدد بوضع حد لهذا العصر الذهبي. فقد تحطمت طائرة من نوع «ماكس8» في أكتوبر من العام الماضي بإندونيسيا في ظروف مماثلة. ورغم أنه يجب انتظار ما سيقوله المحققون بشأن الحادثة، فإن خبراء أجهزة التقنين والسلامة الجوية يعتقدون أن طائرة «ماكس8» تعاني خللا في تصميمها.
ويغذي هذا الأمر التخوفات من مرحلة تكنولوجية جديدة تشق طريقها. وبدأت الطائرات تصير ذاتية القيادة بتزايد مع اعتمادها على الحواسيب. هذا الأمر يعد برحلات أكثر أمنا ونجاعة، لكن نتائج التفاعل بين الربابنة البشر والآلات مازالت غير متوقعة وتحت التجريب. في حادثة تحطم طائرة بإندونيسيا، خاض الربابنة حربا خاسرة ضد «برمجية مكافحة التعطل» التي تحرك أنف الطائرة نحو الأسفل على الأقل 20 مرة.
وتتضاعف التعقيدات التقنية لهذه الصناعة مع تعقيداتها التنظيمية. في تسعينات القرن الماضي، هيمنت قلة من شركات الطيران، وكان لقلة من أجهزة التقنين نفوذ عالمي. اليوم توجد مئات شركات الطيران و290 ألف ربان طائرة عبر العالم. في 2018، وللمرة الأولى في التاريخ، تمركز أقل من نصف حركة الطيران العالمية في الغرب. ويعد الحفاظ على المعايير المتعارف عليها في التدريبات والإجراءات أمرا صعبا. وتسعى الصين ودول أخرى إلى تعزيز مكانتها في هذا المجال. وقد تراجعت مصداقية المقننين الأمريكيين لأنهم تسببوا في انخفاض التنافسية الداخلية، ما يجعلهم تحت شبهة التواطؤ مع الشركات.
ثم تأتي التعقيدات الجيو-سياسية. بوجود مقريهما المركزيين بكل من «سياتل» و«تولوز»، تعتبر «بوينغ» و«إيرباس» من بين أكبر الشركات المصدرة في الغرب، ومثالا فريدا عن صناعة لا تستطيع الصين المنافسة فيها. يمكن أن تطالب الصين والهند مستقبلا بأن تصنع الشركتان مزيدا من الطائرات داخل تراب البلدين لخلق فرص شغل أكبر، وتحصيل حقوق الملكية. عموما، إلى الآن، ليست بوينغ ولا إيرباس مهددتين بالإفلاس. ودون شك، سيصلح أي عطل في نموذج «ماكس8»، تماما مثل ما أصلح مشكل البطاريات في طراز «دريملاينر» عام 2013..
ذي إيكونوميست