دروس نيوزيلندا للأوروبيين

26/03/2019 - 19:34
دروس نيوزيلندا للأوروبيين

أذهلت نيوزيلندا العالم بحجم التضامن والتعاطف الذي عبرت عنه مع أقليتها المسلمة، التي تعرضت لجريمة إرهابية بشعة على يد أسترالي عنصري متعصب، راح ضحيتها 50 مصليا داخل مسجدين. هذه البلاد النائية الآمنة عاشت كلها حالة حداد منذ وقوع الجريمة، وأعطت دروسا للعالم، خاصة للأوروبيين، في معنى التعايش. مشاهد كثيرة مؤثرة نقلتها وسائل الإعلام وعدسات المصورين، وتناقلها الملايين من الناس عبر العالم، من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، تبعث على التأثر. صورة رئيسة الوزراء، جاسيندا أرديرن، وهي حزينة تزور عائلات الضحايا وتعانقهم وتواسيهم، واضعة على رأسها غطاء الرأس، وقد اتشحت بالسواد.. مشهد النساء النيوزيلنديات وقد وضعن غطاء الرأس تضامنا مع المسلمات والمسلمين، ومشهد حضور الآلاف صلاة الجمعة لتتبع صلاة المسلمين في المسجد نفسه الذي وقعت فيه المجزرة، واستماعهم إلى الأذان وإلى خطبة الجمعة. المذيعات في التلفزيون وضعن غطاء الرأس تضامنا مع المسلمين، فيما خصصت إحدى أبرز الصحف، the press، غلاف عددها للضحايا بعنوان عريض باللغة العربية «سلام»، مرفوقا بأسماء جميع الضحايا الخمسين الذين سقطوا. حتى النساء الشرطيات وضعن غطاء الرأس تضامنا، وبدا عليهن التأثر.. البرلمان النيوزيلندي افتتح لأول مرة جلسته بتلاوة القرآن الكريم، والعديد من مواطني هذه البلاد يحجون باستمرار إلى المسجد الذي تعرض للهجوم لمقابلة المسلمين ومواساتهم وسؤالهم عن أحوالهم، والاستماع إلى القرآن، ومحاولة التعرف على الإسلام.

هذه الصور، وغيرها كثير، أعطت دروسا كثيرة في التعايش للعديد من مروجي خطاب العنصرية والخوف من الأقليات في أوروبا. المجرم الأسترالي، منفذ الهجوم، حركته نزعات عنصرية ضد المهاجرين واللاجئين، الذين اعتبرهم غزاة يهددون العرق الأبيض. كان هدفه تعزيز العنصرية وسط البيض ضد الأقليات والمهاجرين، لكن النتيجة كانت معاكسة. فهذه البلاد النائية في المحيط الهادي، التي اكتشفها الأوروبيون في القرن الـ17، هي أصلا بلاد هجرة، وقد أبت إلا أن ترد بحملة تعاطف وتآزر منقطع النظير مع أقليتها المسلمة، في انتظار إنزال أشد العقاب بالإرهابي المجرم.

خلال السنوات الماضية وقعت العديد من العمليات الإرهابية في عدد من دول العالم سقط خلالها العديد من الضحايا، لكنها لم تخلف هذا الحجم من التضامن والتسامح الذي وقع في نيوزيلندا، التي وقفت كلها، بقادتها السياسيين، ومثقفيها، وإعلامها ومواطنيها، تعلن الحداد، وتنخرط في حملة تعبئة وتضامن قل نظيرها.

في مصر، حصد الإرهاب الأعمى العشرات من الضحايا في تفجيرات داخل كنائس، ولم نشهد تضامنا مشابها مع الأقباط. كما وقعت عمليات ضد مساجد للشيعة في بلدان إسلامية. وشهدت فرنسا عملية إرهابية داعشية في نونبر 2015، سقط ضحيتها 130 شخصا، وحظيت بتعاطف العالم، كما عاشت عملية إرهابية أخرى سابقة استهدفت صحيفة شارلي إيبدو، في يناير 2015، وخرجت مسيرة شارك فيها مليونا شخص في باريس، بمشاركة 50 من قادة العالم، لكن، بالموازاة مع ذلك، انتشر الخطاب العنصري الرافض للآخر، ووصل الأمر بالرئيس الفرنسي السابق، الاشتراكي فرانسوا هولاند، إلى حد السعي إلى تجريد الفرنسيين المسلمين العرب من جنسيتهم حتى لو كانوا فرنسيي المولد، ما شكل صدمة داخل فرنسا، كما فتح الباب في وسائل الإعلام للتعبير عن أفكار عنصرية معادية للأجانب والمهاجرين، مثل ما يعبر عنه «إريك زمور» في عدة قنوات فرنسية، وهي أفكار ألهمت الكثير من العنصريين، أمثال منفذ الاعتداء على المسلمين في مسجد النور.

نيوزيلندا تقدم درسا للأوروبيين، خاصة الفرنسيين، في التعايش، فرغم أن منفذ الهجوم استرالي الجنسية، فإنها لم تتهم الأستراليين بالإرهاب، والتعايش الذي عبرت عنه موجه أيضا ضد سياسة ترويج الأفكار العنصرية المعادية للأقليات. إحدى صور التسامح التي انتشرت في العالم صورها المصور ألدن ويليامز، لضابطة نيوزيلندية في العشرينات من عمرها، كانت تحمل بندقية أوتوماتيكية وتضع الحجاب على رأسها ووردة حمراء على صدرها، فيما كانت تحرس المقبرة حيث جرى تأبين ودفن القتلى. قال المصور إنه لم يسبق أن التقط «صورة قوية تختزل الوقار والاحترام والحماية» مثلها، مضيفا: «المزج بين الورد الأحمر وبندقية الهجوم والحجاب أمر لم أشاهده من قبل».

شارك المقال