يونس مسكين يكتب.. فليباركنا الرب

01/04/2019 - 18:20

لا تكتسي الزيارة التي قام بها بابا الفاتيكان للمغرب في اليومين الماضيين، أهميتها فقط لكون آخر عهد لنا بمثيل لها يعود إلى منتصف الثمانينيات، حين استقبل الملك الحسن الثاني البابا يوحنا بولس الثاني، ولا لأنها تحيل على لقاء مماثل جمع قبل 800 سنة القديس فرانسيس الإسيزي بالسلطان الملك الكامل الأيوبي؛ بل، وبكل بساطة، لأن الدين، ورغم التحولات العميقة التي عرفها الغرب في علاقة الدين بالدولة، مازال فاعلا أساسيا ومؤثرا في السياسات والعلاقات الدولية.

فالرهانات السياسية والاستراتيجية المرتبطة بهذه الزيارة عديدة ومعقدة، أولها تأكيد أن المغرب، الذي كان له دور تاريخي في القضية الفلسطينية وفي حماية مدينة القدس، يستكمل تموقعه في قلب محور «الممانعة» الجديد، الساعي إلى الوقوف في وجه موجة الرعونة التي تضرب العالم، ومعه المنطقة العربية، ويرفض الانخراط في الترتيبات المتسرعة لفرض تسوية ظالمة على العرب في علاقتهم بإسرائيل.

لكن هناك رهانا آخر أكثر قربا وارتباطا بالمصالح المباشرة للمغرب، يتمثل في قطع الطريق أمام محاولات استعمال الديانة المسيحية وحقوق معتنقيها داخل المغرب مطية للتدخل في شؤونه الداخلية. الخطوة ليست وليدة اليوم، بل بدأت منذ بضع سنوات على الأقل، حين أحدث المغرب آلية مؤسساتية داخل المجلس الوطني لحقوق الإنسان لتأطير وجود المهاجرين الأجانب في المغرب، لكن بقيت ورقة حماية حقوق معتنقي الديانة المسيحية.

الخطاب الملكي، بحضور بابا الفاتيكان في ساحة مسجد حسان مساء أول أمس السبت، تضمن الجواب الذي سيقدمه المغرب من الآن فصاعدا للرد على الإشارات التي تواترت في السنوات الأخيرة ملوحة بورقة «الأقلية» المسيحية في المغرب، وفي مقدمتها تقرير الخارجية الأمريكية حول وضعية الحريات الدينية في العالم.

التقارير الأخيرة لواشنطن باتت تصوّر السلطات المغربية على أنها تميّز بين رعاياها المسلمين واليهود وبين نظرائهم المسيحيين. ونقرأ في تقرير سنة 2016، مثلا، كيف أن كلا من المسلمين السنة واليهود يتمتعون بكامل الحرية في ممارسة شعائرهم الدينية، في حين يواجه من وصفهم التقرير بالأقليات، المتمثلة في المسيحيين والشيعة والبهائيين المغاربة، تضييق السلطات على حقوقهم.

لعب ورقة المسيحية من لدن القوى الغربية ليس جديدا، بل هو من باب الحقيقة التاريخية. فرئيس مؤسسة أرشيف المغرب، جامع بيضا، الذي تحتضن مؤسسته حاليا معرضا حول الوجود المسيحي في المغرب، كان قد أصدر، إلى جانب فانسان فيرولدي، وهو قس قدم من كنيسة ليون الفرنسية، كتابا مرجعيا يبيّن كيف شرعت القوى الاستعمارية في الضغط على المغرب لانتزاع قوانين تحمي الرعايا المسيحيين لأهداف استعمارية منذ منتصف القرن الـ19.

زيارة بابا الفاتيكان ولقاؤه بملك المغرب رسالة مفادها أن إمارة المؤمنين تشمل معتنقي جميع الديانات، وتخصيص الحبر الأعظم مثل هذه الزيارة لبلد ما ينزع عنه شبهة اضطهاد أتباع يسوع عليه السلام. والذين توقفوا عند عبارة «المسيحيين الأجانب» في خطاب الملك متسائلين لماذا جرى استثناء المسيحيين المغاربة، ينسون أن البابا فرنسيس هو في الوقت نفسه رئيس دولة أجنبية، وأن المغرب الذي منع أمريكا وفرنسا وإخوة الخليج من التدخل في شؤونه الداخلية لا يمكنه، بأي حال من الأحوال، أن يعترف بتبعية فئة من مواطنيه لسلطة أجنبية.

في المقابل، يعلمنا الدرس التاريخي في علاقتنا بالمسيحية أن ما ساعد الأوربيين في استخدام العنصر المسيحي رأس حربة في التحضير لاستعمار المغرب، هو أننا أسهمنا في جعل المكون المسيحي مصدرا للريبة، وتعاملنا معه بإقصاء غير عقلاني، وهو ما سمح للخصم السياسي الخارجي بفتح كوة في الجسم الوطني، عكس المكوّن اليهودي الذي حال «إدماجه» في المجتمع والدولة دون توظيفه بالطريقة والحجم نفسيهما. واليوم، ونحن نخرج حاملين الورود لاستقبال بابا الكنيسة الكاثوليكية، علينا أن نتأمل قوانيننا التي تحد من حرية العقيدة، وتحوّل جزءا من المجتمع إلى «طائفة سرية»، قد تصبح بالفعل مطية للضغوط والتدخلات الأجنبية.

إن الخوف من اعتناق الأفراد أفكارا مختلفة -والدين فكرة- يعتبر من خصائص التفكير المنغلق والشمولي، مهما حاولنا التشبث بفكرة وجود من يمارس التبشير لأهداف سياسية. كما أن أكبر حاجز يمكن وضعه في طريق المساومات الخارجية هو اعتبار الاختلاف والتنوع إضافة تقوي اللحمة الوطنية، بدل شيطنة المختلفين أفرادا وجماعات. وإن كان هناك من يرى في صعود جبل التاريخ مشقة كبيرة، فلننظر إلى ماضينا القريب، حين حوّل قمع مجموعة من الشبان المتحمسين لتحرير بقية التراب، إلى ثقب تسرّبت منه أيدي الخارج لتحولهم إلى جماعة انفصالية مسلحة.

إن الخطاب الذي ألقاه الملك مساء أول أمس، وتابعه العالم بلغاته الحية الأربع، لن يجد تجسيده الكامل إلا في دولة المواطنين الأحرار المحتكمين إلى فكرة جامعة وقوانين نافذة. لقد ذكّرني مشهد تلاوة الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى، محمد يسف، أمام الملك وبابا الفاتيكان بيانهما المشترك حول القدس، بما وقع قبل بضع سنوات حين كشفنا في هذه الجريدة وجود فتوى للهيئة العليا للإفتاء، التابعة لهذا المجلس، موجهة إلى الحكومة التي التمست من العلماء القيام باجتهاد يسهّل عليها مواجهة انتقادات العالم في مجلس حقوق الإنسان بجنيف، حول حرية المعتقد، فيما رددت الفتوى الموقف القائل بقتل «المرتد».

يومها قمنا بواجبنا في إطلاع الرأي العام على تلك الفتوى، ما وضعنا في قلب عاصفة هوجاء، إلى درجة مطالبة مقربين من مسؤول حكومي سابق إيانا بكشف مصدرنا الذي أوصلنا إلى الفتوى، مهددا بتكذيبنا، معتقدا أنا لم نحصل سوى على معطيات شفوية. المصيبة أن ذلك المسؤول أصدر في تلك الليلة بيانا رسميا ينفي فيه وجود تلك الفتوى، ما اضطرنا إلى كشف مصدرنا الذي لم يكن سوى إحدى النسخ الأولية من كتاب يتضمن جميع فتاوى الهيئة، كان في طور الصدور. وفي أول جمعة عقب كشف تلك الفتوى، حضر الملك صلاة الجمعة في أحد مساجد آسفي، وجرى نقل وقائعها مباشرة عبر الإذاعة والتلفزيون، فيما ألقى الخطيب الموقف المعتدل والمنفتح للإسلام تجاه حرية المعتقد.

لا أسوق هذه الواقعة للدفاع عن مقولة «الأمير طيب والحاشية شريرة»، بل لنتأكد أن ملكا حداثيا وملتحما بتطلعات شعبه ومقتضيات عصره ودوام دولته، يحتاج إلى مؤسسات ديمقراطية منبثقة من المجتمع، وليس إلى حراس المعبد كما يروّج البعض.

مرحبا بالبابا، وليباركنا الرب

شارك المقال