Via roma

حضرت إلى وزان للمشاركة في لقاء ثقافي، كانت الدعوة رسميا من طرف جمعية «دار الضمانة»، لكن من سهر على التفاصيل واحتضن اللقاء بكثير من الحب.. كان هو السيد محمد بنقاسم القيري، مالك المطعم، الذي عطله عن العمل ذلك اليوم، ليستقبل حدثا ثقافيا.. آثر السيد بنقاسم أن يغير الوجبات التي يقدمها عادة مطعم «فيا روما»، ويختصرها في وجبة ثقافية أنيقة أناقة المكان..

سبق في هذه الزاوية الأسبوعية أن تحدثت عن تجربة الحسين بوكبير في الصويرة، الذي جعل من مقهاه مكتبة وناديا سينمائيا وفصلا لدروس الدعم المجانية.. الحسين زرته في بداية السنة الجديدة، ووجدته لازال على حاله يربي بكثير من الصبر والشغف حلما بثورة ثقافية.

وفي هامش آخر من الوطن التقيت بشبيه الحسين، في وزان سيشرع محمد بنقاسم القيري في تشييد تجربة «الصالون الثقافي»، بحيث سيحول مطعمه بين الفينة والأخرى «لأكورا» ثقافية، وكنت محظوظا أن شاركت في تدشين هذه «البدعة» الحسنة.

تضمن اللقاء الحميمي وصلات غنائية بصوت فنانة محلية، لن أبالغ إذا قدرت استثنائيتها في أداء الموشحات، ولكن حين يجتمع الصوت الحسن والقصيدة الفاتنة في مدينة منذورة للإقصاء، يكون القدر أن نحرم من تهذيب ذوقنا الجماعي، الذي «تهيمن» عليه صناعة الضجيج والقبح..

وكان اللقاء فرصة لأتعرف على شاعر المدينة الأستاذ «أحمد البقيدي»، لم يسبق لي أن سمعت بهذا الاسم في زحمة الشعراء والشواعر الذين يعتلون المنصات ويتنقلون بين الملتقيات، ليمعنوا في ترصيف الكلمات مصطنعين بلاغة «اللامعنى».. ومن ضمن ما قرأ لنا السي أحمد «رجلة»، قصيدة غنائية زجلية عن شخصية وزانية كانت معروفة باسم «عائشة رجلة».. كانت تلبس ثياب الرجال، وتتحدث لغتهم، فعلت ذلك قبل الاستقلال وبعده، امرأة/رجلة تعالت على مواضعات الجنس والقبيلة والمجتمع، امرأة الهجنة الإيجابية، امرأة قاومت الذكورية الاستعمارية (الاستعمار ذكر) والذكورية السلطوية (السلطة ذكر بتاء تأنيث مخادعة).

وكنا ثلاثتنا: أنا وعبدالعزيز العبدي صاحب رواية «طرسانة» والمحامي نوفل البعمري.. وكانت الرواية معبرا لنقاش سياسي حول ملف الصحراء، تباينت آراؤنا أحيانا، واتفقت أحيانا أخرى، ناقشنا الحكم الذاتي، سردية الدولة، أعطاب التدبير، الحل الديمقراطي، كان النقاش صريحا وجريئا.. وقد حضره برلمانيون ورئيس مجلس بلدي، من الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والبام والعدالة والتنمية، كما حضره مناضلون من الاشتراكي الموحد والجمعية والعصبة المغربيين لحقوق الإنسان، استمعنا لبعضنا البعض باحترام.. قيل لي بعدها إن السلطة كانت متوجسة من هذا اللقاء، الذي كان درسا في أنه كلما ابتعد الأمنيون والسلطويون للوراء، وتركوا لأبناء الوطن مساحة حرية ليتناقشوا ويتناظروا في قضايا الوطن والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، لكنا في غنى عن قلاقل كثيرة واضطرابات لا أحد يمكن أن يتكهن بمآلاتها.. فلا خوف من حملة الأفكار والقيم.. الخوف كل الخوف من حملة الحقائب المهربة للجنات الضريبية.. للأسف «عقل» الدولة الذي سمح لنا بتلك الفسحة في «وزان»، هو نفسه «العقل»، الذي منع لقاء آخر كنت سأشارك فيه بعد أسبوع في الحسيمة..

لم تكن المدة الزمنية كافية لأغوص في أسرار «دار الضمانة»، لكني سجلت بحسرة كيف أن مدينة بهذا الإرث التاريخي الباذخ، وبهذه الطبيعة الساحرة التي تحوطها من كل جانب، مازالت تتعرض للتهميش،، مدينة ضحية للميثولوجيا، ربما.. تلك الميثولوجيا التي خلدت قولة منسوبة لشيخ الزاوية الوزانية مولاي عبدالله الشريف قالها في حضرة السلطان القوي مولاي إسماعيل حين كان أسيرا عنده بسجن «قارة»: «منا لن يكون (أي السلطان)، ودوننا لن يكون»، ملخصا «صراع» الأشراف العلويين والأدارسة حول الحكم، وإلى عهد قريب كان إيمان المغاربة بالكرامات يجعلهم مصدقين أن كل سلطان علوي زار وزان لن يكمل عامه ذاك على قيد الحياة، مع أن هذا الأمر وقع لمحمد الخامس فقط، ولا يثبت التاريخ تواتر هذا الحدث مع سلطان علوي آخر.. وقد زار حفيده المدينة مرتين.. ومع ذلك، لازالت المدينة ضحية التاريخ، ولعنة «الشورافا» (مسلمين ويهودا)، وقدر الجغرافيا الذي جعلها مطوقة بقمتين هما مقدمة جبال الريف.

شارك المقال