علاقة المجتمعات المتخلفة بعدد من المفاهيم التي تبلورت في سياقات ثقافية وحضارية وفكرية وتاريخية مغايرة، كانت دائما علاقة صدام ومواجهة، خذ عندك مفاهيم مثل الديمقراطية، الحرية، العدالة الاجتماعية، حقوق الإنسان، والتعددية.. هي كلها مفاهيم نشأت وتطورت في سياقات غربية؛ سياقات ثورات كبرى تاريخية مثل الثورتين الفرنسية والأمريكية، وهي ثورات لازالت ممتدة إلى اليوم بأشكال مختلفة، أنتجت لنا ما أنتجت مما نتوفر عليه اليوم من تراث علمي وفلسفي عظيم غيّر مسار الإنسانية ككل، هذا لا يعني بالطبع أن ثقافات أخرى لم تسهم في هذا التراكم الذي حققته الإنسانية، يكفي الحديث مثلا عن ابن رشد والفارابي وابن سينا وابن موسى وابن ميمون والخوارزمي، الذي بدونه لا يمكن الحديث عن « روبوتات » أو ذكاء اصطناعي اليوم.
الديمقراطية واحدة من المفاهيم التي استعصت على مجتمعاتنا منذ أزيد من قرن من الزمان، بحيث فشلت كل المحاولات التي قادها الرواد في بدايات القرن الماضي، من دستور مصر سنة 1906، إلى مشروع الدستور المغربي سنة 1908، وساهمت الهجمة الكولونيالية الغربية، في وضع سؤال الديمقراطية في ذيل الاهتمامات التي سيطرت عليها الرغبة في الانعتاق و »الحرية » من الاستعمار، سواء البريطاني أو الفرنسي أو الإيطالي، وعندما تحققت موجة الاستقلال المبتور، سقطت غالبية دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط، في يد أنظمة في غالبيتها شمولية أو تابعة ظلت مترددة في الاختيار الديمقراطي، وحتى التجارب القليلة الليبرالية التي كان يمكن أن تفتح طريقا في اتجاه مستقبل ديمقراطي وتنموي أفضل، سرعان ما دهستها الأحذية العسكرية تحت شعارات الممانعة والتحرر ومواجهة الامبريالية، وكان لإحداث الكيان الصهيوني، وقع سلبي ساهم في نشر موضة الانقلابات العسكرية التي رفعت شعارات التحرر ولم تستطع أن تحرر في النهاية ولو شبرا واحدا من الأراضي المحتلة.
شكل الجهل الطريق الذي قاد إلى جعل الديمقراطية منبوذة أو في أفضل الأحوال ليست ذات أولوية، وقد اشتركت في ذلك الأنظمة مع الأفراد، تروي حكاية مصرية بليغة أنه في عام 1913، رشح الأستاذ أحمد لطفي السيد نفسه لعضوية مجلس الشعب، وذلك بمركز « السنبلاوين »، أحد مراكز محافظة الدقهلية، وكانت عائلة السيد من كبريات العائلات في المنطقة، والأستاذ لطفي كان أحد أعضاء الوفد إلى جانب سعد زغلول والشعراوي وعبدالعزيز فهمي وآخرين، كما يعتبر الأب المؤسس لجامعة القاهرة حاليا، والتي كانت في الأصل استثمارا خاصا للطفي السيد، وكان يلقب بأستاذ الجيل الذي تبنى ودافع عن الاختيار الليبرالي. ونظرا إلى انشغالات لطفي السيد في القاهرة، لم يستطع مواكبة حملته الانتخابية وترك الأمر لمناصريه، لكن خصمه تفتق دهاؤه عن دعاية مسمومة لجعل الناس تنفر من لطفي السيد، فقد أشاع في الناس أن الأستاذ السيد « ديمقراطي والعياذ بالله »، لم يكن الناس يعرفون معنى ديمقراطي، لكن إقرانها بعبارة و »العياذ بالله » تعني أنها أمر يخالف شرع الله، البعض بدأ يقول « أستغفر الله العظيم »، أما أنصار لطفي السيد والمتعاطفين معه، فكانوا يسعون إلى دفع « تهمة » ديمقراطي، بتأكيدهم على أصول الأستاذ ونسبه والقسم بأغلظ الأيمان، أنه يؤمن بالله ويؤدي الصلاة ويصوم رمضان.
خصم لطفي السيد كان يقول إنه لم يكن ليصدق بأن الأستاذ ديمقراطي، لو لم يسمعها من فمه، واختصارا للحيرة التي استبدت بأهل المركز، طلب منهم لقاء لطفي السيد، وطرح السؤال عليه « هل أنت ديمقراطي »؟
لطفي السيد، وبعدما تكررت الاتصالات به من أنصاره وإلحاحهم على ضرورة تواصله المباشرة مع أهل المركز، ضرب لهم موعدا لعقد تجمع انتخابي كبير، فكان له ذلك، وحضر جمع غفير من أهل المنطقة، وعند انطلاق التجمع الانتخابي، قاطع أحد الحضور مراسيم التقديم والشكليات التي تحيط بالتجمعات الانتخابية، متحدثا باسم كل الحاضرين طالبا جوابا صريحا من لطفي السيد عن سؤال وحيد، « هل أنت ديمقراطي؟ »، فما كان من الأستاذ الجليل سوى التأكيد على أنه ديمقراطي وسيظل يدافع عن الديمقراطية، باقي الحكاية أن لطفي السيد خسِر الانتخابات ومبلغ الضمان، لا لشيء سوى لأنه ديمقراطي.. هذه الصورة لا تختصر فقط، ماضي معاناة بناء الديمقراطية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بل إنها تقدم درسا بليغا في ضرورة قيام ثورة ثقافية وفكرية تمس البنيات العميقة للمجتمع، بما يسمح لها باحتضان الحداثة والديمقراطية..