أحوال الإمام مالك.. تدبر القرآن الكريم -الحلقة7

14/05/2019 - 15:00
أحوال الإمام مالك.. تدبر القرآن الكريم -الحلقة7

الدكتور أحمد كافي أستاذ التعليم العالي للدراسات الإسلامية الدار البيضاء

كان الإمام مالك إماما في الفقه والحديث، وكان كسائر إخوانه الأئمة إذا دخل رمضان طوى كتب العلم ولم يشتغل مع خاصة نفسه ومع الناس إلا به، قراءة وقياما وتدريسا وتدبرا.

وكان هذا التدبر حاله في حياته كلها، فلا يقعن في قلب أحدنا أنه كان القرآن بعيدا عن تخصصه، بل كان أنيسه يدن النظر فيه تدبرا له فيه أحوال عجيبة. ومن تدبره هذا ما تركه من مؤلفاته في الموضوع، وأعني به كتابه: التفسير لغريب القرآن.

وقد صنف مكي بن أبي طالب كتابا جمع فيه ما روي عن مالك في التفسير ومعاني القرآن(سير أعلام النبلاء)، وسماه ابن خلكان: المأثور عن مالك وتفسيره في عشرة أجزاء (وفيات الأعيان).

وقد شهدوا له بالإمامة في الحديث والتدبر، فقال بهلول قال ابن راشد وغيره: « ما رأيت أنزع بآية من مالك بن أنس مع معرفته بالصحيح والسقيم والمعمول به من الحديث المتروك، وميزة الرجال وصحة حفظه وكثرة نقده » (ترتيب المدارك).

فهذه شهادة من عاشره أنه رحمه الله تعالى، مع معرفته بالصناعة الحديثية واشتهاره بها، فإن ذلك لم يؤثر في علاقته مع القرآن الكريم تدبرا له ولما تحته من المعاني التي لا تنقضي عجائبه. وأن مالكا كما علا في الحديث إتقانا حتى أصبح أمير المؤمنين فيه، فقد علا في القرآن الكريم تدبرا واستخراجا لكنوزه.

والتدبر واحد من شغله الذي عرف عنه في خلوته، فقد حدث ابن وهب قال: « قيل لأخت مالك بن أنس: ما كان شغل مالك بن أنس في بيته؟ قالت: المصحف والتلاوة ».

ومن نماذج هذا التدبر، قول المغيرة: خرجت ليلة بعد أن هجع الناس هجعة، فمررت بمالك بن أنس، فإذا أنا به قائم يصلي، فلما فرغ من الحمد لله، ابتدأ بـ »الهاكم التكاثر » حتى بلغ: « ثم لتسألن يومئذ عن النعيم »، فبكى بكاء طويلاً، وجعل يرددها ويبكي، وشغلني ما سمعت ورأيت منه عن حاجتي التي خرجت إليها، فلم أزل قائماً وهو يرددها ويبكي حتى طلع الفجر. فلما تبين له ركعَ. فصرت إلى منزلي فتوضأت، ثم أتيت المسجد، فإذا به في مجلسه والناس حوله، فلما أصبح نظرتُ، فإذا وجهه قد علاه نور حسن.

ولا يفهمن أحد أنه كان يرددها استمتاعا بتلاوتها، أو لما أوقعته في نفسه من الخشية، فإن ذلك صحيح لمن أدمن التدبر. ولكن الأصح منه أن ترداده لها ترداد متدبر تتراءى له المعاني متتابعة من الإعادة، فتظهر في كل ترديدة من المعاني التي لم يكن له بها قبل، فيستزيد من هذه المعاني بإعادة قراءتها، وتتكاثر أمام ناظريه ما يندفع من الأحكام والعبر والعظات… فيتفاعل مع عظيم المعاني التي تعترضه بالوقوف عندها وعدم تجاوزها إلى غيرها. ولو كان الترداد استمتاعا بالتلاوة، لوجدت التالي للكتاب مدفوعا إلى تجاوز الآية إلى غيرها بعد قصير من الزمن كما هو معهود النفس الإنسانية. فلذلك قررنا أن هذه الطريقة في التدبر قد سبق فيها بالأعلام من أحبار الإسلام وفضلائهم، ممن انشغلوا بالتدبر، فكان من طريقتهم في ذلك ترداد الآية طويلا حتى تنقطع عنهم مادة المعاني.

وفي أواخر عمره جعل القرآن ديدنه، وأهلك فيه عظيم وقته، ولم يزاحمه بغيره من العلوم، وممن شهد لنا بهذه الطريقة التي سلكها، أبو بكر الأوسي، إذ قال: « كان مالك قد أدام النظر في المصحف قبل موته بسنين، وكان كثير القراءة طويل البكاء ».

وقد كان منزعجا ممن يتكلمون في القرآن من غير تدبر له، لو أن كان لي سلطانٌ على من يفسر القرآن، لضربت رأسه. قال الذهبي: يعني: تفسيره برأيه (سير أعلام النبلاء)..

شارك المقال