أحوال الإمام مالك.. شيوخ الغرر-الحلقة9

17/05/2019 - 02:01
أحوال الإمام مالك.. شيوخ الغرر-الحلقة9

الدكتور أحمد كافي أستاذ التعليم العالي للدراسات الإسلامية الدار البيضاء

من سيئات التعليم المعاصر، فرض الأستاذ على طلبة العلم ومريديه، حيث يفرض عليهم من يدرسهم كيفما كانت المكانة العلمية والتربوية للذي تصدر للتدريس. فيفرض عليهم وإن كانوا يستثقلونه؛ أو لا يرتضون سيرته، أو لا يحمدون طريقة تدريسه.

أما الطريقة التي كانت إلى عهد قريب في الجامعات العلمية الشهيرة: كالحرمين؛ والقرويين؛ والزيتونة؛ والأزهر؛ والجامع الأموي بالشام… وغيرها من معاقل تخريج العلماء، هي كثرة الكراسي العلمية المفتوحة، والتي لطلبة العلم كامل الحرية في اختيار من يدرسون عندهم.

تجد في الجامع حلقات علمية على مدار الساعة، وفي الساعة الواحدة حلقات في علم واحد أو عدة علوم. وتجد الاختيار المبني على الكفاءة العلمية والبراعة في التدريس معيارين أساسيين في الازدحام على عالم، والانفضاض عن آخر.

وها هنا، لا يتقدم للتدريس إلا من كانت له صفات علمية ومهنية وأخلاقية تؤهله أن يجلس ويأتيه طلاب العلم ويزدحمون عليه.

وتذكر كتب التراجم عن جمهرة من أهل العلم، جلسوا على الكرسي ليعلموا الطلبة، فلم يكن يحضر حلقة علمهم ودرسهم أحد.

ومن عيوب الطريقة القديمة أن بعض الطلبة ممن صغرت هممهم، ولا أرب لهم في النبوغ العلمي، يبحثون عن هؤلاء المدرسين الضعاف. وكل ميسر لما خلق له.

ومن ذكاء مالك أنه لم يختر من الأساتذة إلا من بز أقرانه في التفوق العلمي، وشهد له الجميع أو الغالب بمكنته. فكان لا ينخدع بالهذر يتقنه بعض المدرسين، ولا بالصلاح يكون عليه آخرون.

كان الإمام مالك لا ينخدع بالصلاح أو بظاهر الصلاح في الشيوخ، بل أخذ نفسه بالجد والعزم، وأنه لا بد من التوجه إلى من يتقن حرفته، نبيها لا غبيا. وقال عن عبد الكريم بن أبى المخارق وقد أخذ عنه شيئا وندم عليه: « غرني بكثرة بكائه في المسجد أو نحو هذا » (ميزان الاعتدال).

فيجب على طالب العلم أن يحذر الغلو في هذا الباب، وأن يكون عنده ميزان العلم المقارن الذي يدفعه إلى احترام توجهات أهل العلم، لا أن يرفضهم بناء على ما سبق إلى قلبه من الاختيارات.

لقد قال سويد وسأله رجل: « يا أبا مُحَمد لم تمسك عَن أَبِي الزبير. قَال: خدعني شُعْبَة، فقال لي: لا تحمل عنه، فإني رأيته يسيء صلاته، وليتني ما كنت رأيت شُعْبَة » (الكامل في ضعفاء الرجال).

وهذه قضية هامة يجب النظر فيها، وهي أن الرجل قد يحكم بناء على قناعاته، مثل حكم شعبة على إساءة الرجل صلاته بناء على الصلاة التي هي عنده في صفة صلاته، ولكن قد يكون للفقيه رأي في بعض جزئيات الصلاة تخالف رأي المحدث. فيعتبرها إساءة لا يعتبرها غيره كذلك.

ولهذا السبب في تقويم الشيوخ والأساتذة الذين يجب الحرص عليهم، كان ديدن مالك أن يختار العوالي منهم، ويفر من الجلوس إلى الأسافل الذين لا علم محقق، ولا تدريس متقن. وفي وصيته لأحد تلامذته وهو خَالِدُ بْنُ خِدَاشٍ الذي قَالَ: « وَدَّعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، أَوْصِنِي، قَالَ: تَقْوَى اللَّهِ، وَطَلَبُ الْعِلْمِ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهِ » (تاريخ أبي زرعة).

وحدث ابْنَ أَبِي أُوَيْسٍ فقال: سَمِعْتُ خَالِي مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ يَقُولُ: « إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ، لَقَدْ أَدْرَكْتُ سَبْعِينَ مِمَّنْ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عِنْدَ هَذِهِ الأَسَاطِينِ، وَأَشَارَ إِلَى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَمَا أَخَذْتُ عَنْهُمْ شَيْئًا، وإن أحدهم لو اؤتمن على بَيت مَال لَكَانَ أَمِينًا، إِلا أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ هَذَا الشَّأْنِ » (الانتقاء).

فهذا هو مالك ينتقي ولا يقبل الغرر بنفسه في طلب العلم.

.

شارك المقال