الدكتور أحمد كافي أستاذ التعليم العالي للدراسات الإسلامية الدار البيضاء
كان الحكام يستمتعون بالمشارب المختلفة في جميع الفنون، ويعقدون المجالس لهم، ويصلون الجميع بالحسنة من الصلات، ويرفدونهم بأعلا الرفد. ولكن الاستمتاع العلمي والمؤانسة فيه شيء، واختيار قانون للبلاد أمر على النقيض من ذلك.
ابن المقفع يرفع صوته: ومما يفهمك مقالة مالك، أن عبد الله بن المقفع (ت142هـ) وهو عصري الإمام مالك (ت179هـ)، كان على النقيض من هذه المقولة، وكان يحمل هم الإلزام القضائي للدولة، وأن لا يترك الأمر إلى تقديرات العلماء. فإنها رغم أهميتها فإنها:
1ـ تمنع التقنين الفقهي الذي أراده الحكام.
2ـ تجعل جمهور الناس لا يعرفون الحكم قبل الدخول فيه. وهذه إحدى السيئات أنه عند التنازع والوصل بين يدي القضاء، يكونون أمام رحمة القاضي لا يدرون بما سيحكم فيه. وأنت ترى أن الناس والمحامين والمهتمين يجدون بين أيديهم مدونات التقاضي كوثائق وعقد بينهم وبين القضاء. يعرفون ما لهم وما عليهم وإن لم يقفوا عند القاضي.
الخليفة يريد قانونا: كانت إرادة الحاكم وجود قانون للتحاكم حتى ندفع الانتقادات التي وجهت لهذا الغياب. ليس لأن القانون منعدم، ولكنه موزع بشكل رهيب وصل الاحتكام في القرن الثاني إلى ما يزيد ثلاثمائة مذهب، بل وحتى عندما استقرت في عشرة أو أقل لم يزل الإشكال، ثم عندما استقر الأمر في الأربعة، لم يزل الإشكال.
والذي يعني الدولة أساسا هو توحيد القضاء، وأما المجال العلمي من بحوث ودراسات وحتى الفتوى بنسبة كبيرة، فإنها تستعصي على الضبط القانوني.
وإن الدعوات التي كتب عنها أهل ذلكم الزمان قد وجدت أثرها في قلوب الحكام. ومنها دعوة ابن المقفع الذي ألف فيها رسالة قائمة لمعالجتها، وهي رسالة الصحابة.
ومما جاء في رسالة ابن المقفع إلى أبي جعفر: « ومما ينظر أمير المؤمنين فيه، اختلاف هذه الأحكام المتناقضة التي قد بلغ اختلافها أمرا عظيما في الدماء والفروج والأموال، فيستحل الدم والفرج بالحيرة وهما يحرمان بالكوفة، ويكون مثل ذلك الاختلاف في جوف الكوفة، فيستحل في ناحية منها ما يحرم في ناحية أخرى، غير أنه على كثرة ألوانه نافذ على المسلمين في دمائهم وحرمهم، حكم به قضاة جائز أمرهم وحكمهم… فلو رأى أمير المؤمنين أن يأمر بهذه الأقضية والسير المختلفة فترفع إليه في كتاب ويرفع معها ما يحتج به كل قوم من سنة أو قياس ثم نظر أمير المؤمنين في ذلك، وقضى في كل قضية رأيه الذي يلهمه الله ويعزم له عليه وينهى عن القضاء بخلافه، وكتب بذلك كتابا جامعا عزما لرجونا أن يجعل الله هذه الأحكام المختلطة الصواب بالخطأ حكما واحدا صوابا.
الخلفاء بالواقع أفقه: كان هؤلاء الخلفاء الذين أبدوا رغبتهم في إصدار ديوان للتحاكم مستمد من الفقه الإسلامي، أو من اختيار من الاختيارات يستقر أهل الحل والعقد عليه، أفقه بالواقع من الإمام مالك في هذه الحيثية.
كانوا يريدون إلزام الناس من جهة، وسد الذرائع على الفساد في القضاء. ولم تكن رغبتهم أبدا أن تذهب في التضييق على العلم وأهله. وإنما كانت الرغبة جامحة أن يعرف الجمهور ما لهم وعليهم في النكاح والطلاق والبيع والشراء والرهن… يعرفون قبل الدخول في أي تصرف، ويعرفون ما يجب عليهم إذا أرادوا الخروج منه. فيتم تجفيف منابع الهوى والأهواء.
ولم يرد مالك أن يغير شيئا مضى عليه الناس. وهذه حجة غالب المتدينين، وهو الحذر من تغيير ما سبق من عمل للسلف به. وأن الإبداع لن يكون أفضل مما كان!.