أحوال الإمام مالك.. الاعتراف بالآخر

01/06/2019 - 13:00
أحوال الإمام مالك.. الاعتراف بالآخر

الدكتور أحمد كافي أستاذ التعليم العالي للدراسات الإسلامية الدار البيضاء

لم يكن مالك إماما في العلم فحسب، فإنه أهله عن استحقاق لا عن تعصب ودعاية فارغة. بل كان إلى جانب ذلك إماما في الأدب وأخلاق العلم.

وقال ابن وهب: « الذي تعلمنا من أدب مالك أكثر مما تعلمنا من علمه ».

والإمامة في أدب العلم وأخلاقه قليلة في أهل هذا الشأن، فتجد كثيرا من المنتسبين للعلم، إذا فتشت في أدبهم وأخلاقهم لم تجد إلا السفاهة والرعونة، بل إذا جد الجد معهم، لم يلقوك إلا بما يلقى به العامة والدهماء بعضهم البعض. ولذلك كثرت الكتب التي تتحدث عن آداب العالم والمتعلم. حتى يجعلها هؤلاء الخائضون في بحر العلم، زادا لهم وهم في طريق اكتسابه.

ومن أدبه: الاعتراف بعلم الآخرين. فإنه رحمه لله لم ير لنفسه أن يغمط غيره حقه في العلم والرأي. وإن من سيئات بعض المنتسبين للعلم والثقافة والفكر الذين يصدعون رؤوس الناس بحديثهم عن الحرية والحقوق.. وغيرها من الكلمات الجميلة، فإذا كان الواقع، لم تجد لأقوالهم ومكتوباتهم وأحوالهم صدى فيما يمارسونه. ولست أدري، أينطبق على هؤلاء المقت المذكور في قوله تعالى: « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ » (الصف:2ـ3)، أم أنه قريب من رحالهم؟

كان مالك الإمام متواضعا حقيقة، ويشهد للاعتراف بعلم غيره من أهل زمانه ومن غير زمانه، معلمان أساسيان:

المعلم الأول: رفضه بشدة فرض مشروعه العلمي: الموطأ، على الناس. مع أن إمكانية الفرض متاحة وقريبة. فهي رغبة الدولة التي طلبت منه قبول هذه الرغبة. وستحرص على توظيف إمكاناتها المادية والبشرية، لفرض ما رغبت فيه بوازع السلطان. ومع كل هذه المغريات التي عرضت عليه، فقد وقف صامدا أن يتم ذلك. وقال للسلطان بوضح: لا تفعل يا أمير المؤمنين.

وقصة هذا العرض المغري، ما حدثنا به مالك إذ قال: « لَمَّا حَجَّ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ دَعَانِي فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَحَادَثْتُهُ، وَسَأَلَنِي فَأَجَبْتُهُ. فَقَال: إِنِّي عَزَمْتُ أَنْ آمُرَ بِكُتُبِكَ هَذِهِ الَّتِي قَدْ وَضَعْتَ ـ يَعْنِي الْمُوَطَّأَ ـ فَتُنْسَخَ نُسَخًا، ثُمَّ أَبْعَثُ إِلَى كُلِّ مِصْرٍ مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا نُسْخَةً، وَآمُرُهُمْ أَنْ يَعْمَلُوا بِمَا فِيهَا، وَلا يَتَعَدَّوْهَا إِلَى غَيْرِهَا، وَيَدَعُوا مَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ هَذَا الْعِلْمِ الْمُحْدَثِ، فَإِنِّي رَأَيْتُ أَصْلَ الْعِلْمِ رِوَايَةَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَعِلْمَهُمْ. قَالَ فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لا تَفْعَلْ هَذَا، فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ سَبَقَتْ إِلَيْهِمْ أَقَاوِيلُ، وَسَمِعُوا أَحَادِيثَ، وَرُوُّوا رِوَايَاتٍ، وَأَخَذَ كُلُّ قَوْمٍ بِمَا سبق إِلَيْهِمْ، وَعَمِلُوا بِهِ وَدَانُوا بِهِ، مِنَ اخْتِلافِ أَصْحَابِ رَسُولِ للَّهِ صلى لله عَلَيْهِ وَسلم وَغَيْرِهِمْ، وَإِنَّ رَدَّهُمْ عَمَّا اعْتَقَدُوهُ شَدِيدٌ، فَدَعِ النَّاسَ وَمَا هُمْ عَلَيْهِ، وَمَا اخْتَارَ أَهْلُ كُلِّ بَلَدٍ لأَنْفُسِهِمْ » (الانتقاء).

المعلم الثاني: أصول مالك في العلم، والتي تشهد بالتطبيق العملي للاعتراف بالآخرين، وأعني هاهنا: أصل مراعاة الخلاف. وهو مما انفرد به مالك عن العلماء الآخرين. ومعنى هذا الأصل: أن يقول مالك بالقول الذي يخالفه ولا يعتبر، ويصير إليه إذا دعت الحاجة إليه، لأنه صادر من عالم آخر معترف له بالعلم.

ولا يقوم بهذا العمل الراقي، والذي يجب أن يدرس في أدب الاعتراف بأهل العلم وإن كانوا على خلاف ما يذهب إليه العالم. ولا يقوم بهذا العمل إلا عاقل معدود في العقلاء، غير مجنون بعقله وحصيلة علمه. وكذلك هو مالك رحمه لله تعالى. لقد كان شيخه ربيعة يقول إذا جاء مالك: « قد جاء العاقل »، وقال ابن مهدي لقيت أربعة: « مالكاً وسفيان وشعبة وابن المبارك، فكان مالك أشدهم عقلاً »، وقال هارون الرشيد عنه: « ما رأيت أعقل منه ».

فلا تتعجب إن رأيت هذا الصنيع من مالك، فإنه عاقل، يعرف قدر نفسه، ويعرف قدر الآخرين من أهل العلم في زمانه.

شارك المقال