منير أبو المعالي يكتب: «لو لم أكن العثماني لتمنيت أن أكون بنكيران..»

20/06/2019 - 19:00
منير أبو المعالي يكتب: «لو لم أكن العثماني لتمنيت أن أكون بنكيران..»

من المحتمل أن يكون رئيس الحكومة الحالي قد قرأ شيئا حول ديوجين، ذلك الفيلسوف خارج العادة. في علم النفس هناك بعض من الفلسفة، ودون شك، فإن العثماني قد درس شيئا من الفلسفة، لكننا لا ندري إلى أي عمق قد وصل.

لا يشبه العثماني في شيء ما كان عليه ديوجين، إلا إن استثنينا بعض التصرفات غريبة الأطوار. لا يحمل رئيس الحكومة مصباحا في وضح النهار، باحثا عن رجل أو حقيقة، فهو يعرف ما فيه الكفاية عما ينبغي عليه أن يبحث عنه.

بعض خصائص الشخصيات لا تباع في الأسواق، ولا يمكن أن تقرر فجأة أنك بحاجة إلى شيء إضافي أو حاسم لكي تضفي على نفسك وَقَارا أكبر، أو هيبة أشد، أو عزما أقوى، فتنزل إلى الزمان أسفل مبنى الشقق حيث تقطن، وتقتنيه. قضى ديوجين حياته يبحث عن شيء لم يعثر عليه أبدا، ربما لأنه لم يكن موجودا في زمانه آنذاك، لذلك، يكاد يتحول في نظر الآخرين إلى مجنون يحشر جسده في برميل.

لم يحشر العثماني نفسه في برميل حرفيا، لكنه يبدو لنا بالفعل وكأنه موضوع في برميل. إننا نشعر بالرجل وهو غارق في الهواجس، يفكر في حقيقته، لكنه لا يستطيع الجهر بها بواسطة الكلمات المناسبة. شكله وهو تعب من الكد اليومي في تغيير الشخصيات، لا يوحي بالاطمئنان، بيد أننا قادرون على تمييز بعض ملامح ما يرغب في تصنعه؛ شخصية خيالية تتشكل من خليط غريب بين ما كان عليه سلفه من صلابة وتحد، وبين خصائصه الأصيلة باعتباره رجلا متفهما يسعى إلى الوقار. ليس هناك ضعف واضح في شخصية العثماني، لكن تنقصه الغلظة، فهو نسخة محينة لشخصية عباس الفاسي تحاول لعب دور أكثر رونقا. رحلة رئيس الحكومة ليست عبارة عن خطوات سهلة، لكنها غامضة بالنسبة إلى العثماني.

على الرجل الثاني في البلاد أن يسأل نفسه عما ينفع به الناس. فهو لا يمثل إلهاما لهم على الأقل، لكنه مدافع بشكل حثيث عن نفسه. في حمأة بحثه المضني عن شخصيته رئيسا للحكومة، مازال العثماني لم يحسم أمره. وربما لم تساعده الظروف في صقل شخصية في وقت سريع، لكن لنكن صريحين؛ شخصيته حاليا لا تثير الاهتمام، بقدر ما تؤجج القلق. قد لا يكون العثماني سوى الحلقة منخفضة الكلفة، والتكلف كذلك، للانتقال بين نموذجين لرئيس الحكومة، ذلك الذي دفع خارجا من الباب بعد أربع سنوات دون أن يُستهلك بشكل كامل، وذاك الذي ينتظر فرصته بعد عامين من الآن. إننا نقترب بشكل تدريجي من قبول وزير تقنوقراطي ولو غطي بواسطة لبوس سياسي. لقد نجح العثماني في إخضاع شخصية رئيس الحكومة لنموذج الوزير الأول، ولن يحس سوى القليلين ممن لايزالون يمتلكون بعض ذكريات الود إزاء مرحلة سلفه، بوجود فرق بين العثماني، الذي بين أيدينا، وبين أي رئيس حكومة تقنوقراطي سيأتي لاحقا، وإن كان مرتديا جلباب حزب العدالة والتنمية نفسه.

هذا الانبعاث العملي لشخصية الوزير الأول تطلب عملا مريرا دون شك، ليس من العثماني بالطبع، ولكن من أولئك الذين يعتقدون أن شخصية رئيس الحكومة قد تهدد الهندسة الدستورية للسلطات نفسها. وكل ما كان على العثماني أن يفعله هو أن يساير اتجاه الريح. لسنا قادرين على تحديد ما إن كان الرجل يفعل ذلك لكي يحفظ منصبه من الزوال، غير أن سعيه إلى تحويل هذا اللقب دون مراوغة إلى مجرد زخرف، قد نجح؛ اسم برّاق على لوحة تزين المكاتب والمنصات، وهوامش التوقيع على القوانين.

سنصل إلى 2021 دون أن يكون قد تبقى لدينا رئيس حكومة. إذا كان العثماني يعول على أن يستدرك ما ضاع منه في السنتين المقبلتين، فإن ذلك سيحتاج منه إلى جهد خرافي. شخصيا، لا يمكنني تصديق أن الرجل سيفعلها أو أنه قادر على فعلها. لا يستطيع العثماني أن يصبح شيئا لا يبدو أنه مقتنع بفائدته على كل حال. وطوال ثلاث سنوات تقريبا من التدمير المتواصل لسلطته من لدن هؤلاء المحيطين به، سيكون عسيرا علينا الاقتناع بأن ما سيصير إليه، في جميع الأحوال، سيختلف عما نراه قد وصل إليه الآن.

كانت «جون أفريك»، وهي مجلة تستطيع فهم المسؤولين المغاربة بشكل يوحي بسعة الحيلة والاطلاع أيضا، قد أصدرت حكمها على العثماني حينما قالت قبل شهور، في ملف «7 سنوات دون شيء»: «يشبه عباس الفاسي». لم يطق الرجل ذلك، لكنه لاحقا، وقبل أسبوعين فحسب، أوقع نفسه في الفخ، فقد منح المجلة نفسها مقابلة، حيث لم تَر منها ما يصلح عنوانا سوى ما كان صالحا ليكون عنوانا لمقابلة مشابهة مع عباس الفاسي قبل عقد من الزمن. لا يجمع بين الرجلين سوى الهاجس نفسه؛ جعل كل شيء يدور حول الملك. الحصول على الرضا الملكي أهم من أي شيء آخر، وفي الواقع، ليس للوزراء الأولين في المصطلح الدستوري شغل أفضل من هذا. بنكيران فهم ذلك بطريقة جيدة لكنها مأساوية.

هذه، إذن، ليست سوى مشكلة العثماني وليس أحدا آخر. إن شخصية العثماني محددة وقد طبعت ونشرت على الحيّز المطلوب. لا يمكنه سوى تمني أن يكون شخصا آخر، ثم يتوقف. ولقد توقف بالفعل عن البحث بمصباحه عن رجل أو عن حقيقة. في وضح النهار، تكون الحقيقة الوحيدة هي الشعور بما تعنيه كل مغامرة خطرة.

شارك المقال